رحيق المعنى في مملكة الوعي:
أنا لا أمتهن الكتابة 
بل أشهرها 
كما يشهر العاشق جراحه في الميادين 
أقف على حد اللغة 
أكشط طلائها المهذب 
وأنزع عنها ربطة العنق 
وأعيدها إلى فطرتها 
إلى وحشيتها الأولى 
قبل أن يروضها النحو 
ويضعها في أقفاص البلاغة
أنا لا أكتب كي أستعرض 
ولا كي أحصد التصفيق 
بل أكتب لأنني مصاب بفرط ادراك 
ولأن الأشياء تقول أكثر مما نظن 
والكلمات 
ليست حروفا تتماسك 
بل خلايا تتفسخ وتعيد إنتاج نفسها 
كلما عبرها وعي جديد
النص عندي ليس غاية 
بل جسر 
نعبر به إلي جحيمنا الخاص 
إلى أمكنة لا نملك أسماءها 
ولا خرائطها 
لكنه يقين داخلي 
إننا كلما كتبنا عميقا 
كلما خلعنا أبوابا في الرأس 
وإيقظنا ذاكرة كانت نائمة تحت لب الفكرة
أنا لا أصنع المعنى 
بل أنبش تربته 
أحرك طبقات التأويل 
أبحث عن جذور الأرتجاف الأول 
عن تلك اللحظة التي لم تكن فيها الفكرة فكرة 
بل رعشة 
بل حدسا بدائيا 
لم تدجنه بعد لغة البشر
أكتب 
لأن النص لا يروى 
بل يرتكب
ولأن الحقيقة 
ليست تلك التي نعرفها 
بل التي تزعزعنا حين نسمعها لأول مرة 
كأنها صفعة في ليل طويل
فلتكن كتابتي 
فأسا لا مزمارا
وليرتعد القارئ لا ليبتسم 
فالأدب ليس زينة 
بل قنبلة مؤجلة 
في رأس من يجرؤ ان يقرأك حتى النهاية.
أنا لا أجلس إلى الكتابة كما يجلس العابر إلى مقهى 
ولا أفرش أوراقي كما يفرش البائع سلعته للزوار 
أنا أدخل النص كمن يدخل الحرب 
بسيف في يده 
وجرح في قلبه 
وخوف من إلا تعود المعركة به سالما
الكتابة ليست طقسا جماليا 
وليست رغبة في أن نبدو مثقفين 
الكتابة صرخة من لا صوت له 
وتمرد على اللغة حين تضيق 
وعلى الفكرة حين تجف 
وعلى العقل حين يغفو في حضن العادة
أنا لا أصافح الكلمات 
أنا أصفعها 
أكسر أقنعتها 
وأمزق رتابتها 
حتى تعترف بما تخفي 
ففي كل مفردة 
هاوية صغيرة 
وفي كل جملة 
ثورة تنتظر من يفك قيدها
النص الجيد 
هو ذاك الذي لا ينام بعد قراءته 
الذي يطاردك في الحلم 
ويتسلل إليك حين تظن أنك نسيته 
هو ذاك الذي لا يغلق الباب 
بل يفتحه على أسئلة 
لا تملك لها مفاتيح
أنا لا أكتب كي أجاملك 
ولا كي أربت على كتفك 
أنا أكتب كي أوقظك 
كي اهز يقينك 
كي  أعيد ترتيب خرائطك الداخلية 
فالكتابة الحقيقية 
لا تتركك كما وجدتك 
بل تخرجك من النص 
وأنت شخص آخر
الكاتب لا يرسم لوحات 
بل يحفر في الوعي 
ينقب في طبقات الفهم 
ويبحث عن ذلك الجزء منك 
الذي لم يكتبه أحد بعد.
أنا لا أجيد الكتابة إذا كانت الكلمات مؤدبة 
ولا أحترم  الجمل حين تمر كالنسيم فوق سطوح الوعي 
أنا إبن الجرح 
ولا أصدق إلا النصوص التي تكتب بدم الذاكرة 
وتوقظ في اللغة شهقتها الأولى
الكتابة عندي ليست محاولة لترتيب المعنى 
بل فوضى مقصودة 
إنقلاب على هندسة السطور 
هتك لعذرية المفردات 
وإنتقام من الصمت الذي صقل أقنعتنا طويلا
أنا لا أطرق باب النص بل أكسره 
ولا أستأذن المعنى كي اعبث بملامحه 
أنا ذلك الكاتب الذي إذا جلس إلى الورقة 
ذابت حروفها خوفا 
وأختبأت علامات الترقيم في أزقة البياض
أعرف أن القارئ ليس صفحة بيضاء 
بل صحراء من الأسئلة 
وغابة من التأويلات 
لذلك لا أكتب كي أفهم 
بل أكتب كي ينفجر داخله السؤال 
كي يرى العالم من خرم الدهشة 
لا من نافذة التكرار
أنا لا أؤمن بالكتابة التي ترضي الجميع 
بل أؤمن بتلك التي تزعجهم 
تخدش جدرانهم 
وتعيد ترتيب أرفف الوعي في عقولهم الكسولة
ما الجدوى من نص لا يخدشك 
لا يكسر مرآتك 
ولا يجعلك تشك في كل ما كنت تؤمن به
أنا لست كاتبا يسعى لرضاك 
أنا كاتب يسعى لأن يهزك 
يربكك 
ويتركك أمام نفسك عاريا من كل تفسير
أنا لا أكتب كي أعلمك 
بل كي أجعلك تتعلم كيف تنقض أفكارك بنفسك 
كيف تحرر وعيك من الأقفاص الجميلة 
وتكتشف أن أكثر الكلمات سما 
هي تلك التي جاءت في علب ذهبية
هذا هو النص كما أفهمه 
ليس لوحة تعلق على الجدار 
بل مرآة تصفعك إذا كنت جبانا 
ونار تحرق أقنعتك إذا كنت صادقا بما يكفي.

من كتاب :الكنز اللغوي للحروف والكلمات
الأديب:محمدنورالدين محمد

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ