بوابة الكهف
وتجليات اللاءات العشر

حين أجلس في سكون بكرة الجمعة، 
وأفتح كتاب الله على سورة الكهف، 
أشعر كأنني أفتح بوابة الروح 
على عالم من الحقائق التي حجبت عنا بضجيج المادة.

إنني لا أقرأ حروفا، 
بل أتلمس بيد قلبي عشرة أسوار من لا الناهية، 
إقامها الوحي لتحرس إنسانيتنا من التفتت والضياع.

أتأمل اللاء الأولى 
فلا تمار فيهم، 
فأجدها تصفع كبرياء العقل 
الذي يظن أنه أحاط بكل شيء علما؛ 
إنها دعوة لترك الجدال الذي لا يثمر إلا الضغينة، 
فالحقيقة أسمى من أن تكون غنيمة في معركة لسانية.

ثم أرى اللاء الثانية 
ولا تستفت فيهم منهم أحدا، 
وكأنها تنهى روحي عن التسول المعرفي 
من مصادر غاب عنها نور اليقين، 
فمن أنطمست بصيرته لا يملك أن يهدي أحدا إلى سواء السبيل.

وإذا هممت بعزم، 
أستوقفتني اللاء الثالثة 
ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا، 
لتنتزع من نفسي غرور القوة 
وتضعها في حجمها الطبيعي 
تحت مشيئة القهار، 
فلا غد يملكه بشر، 
ولا تدبير يخرج عن إرادة الخالق.

ثم تنعطف الروح نحو اللاء الرابعة 
ولا تعد عيناك عنهم، 
لتعلمني أن الرفقة الصالحة هي الكنز، 
وأن زينة الدنيا مهما برقت 
ما هي إلا سراب يحاول سرقة قلبي 
من واحة الأبرار.

وتشتد وطأة التوجيه في اللاء الخامسة 
ولا تطع من أغفلنا قلبه، 
فكأنها صرخة تحذرني 
من الأنحدار في منحدرات الهوى 
مع من ضيعوا أعمارهم في التفريط.

وحين أدخل مدرسة الخضر، 
أتعلم أدب التلقي مع اللاء السادسة 
فلا تسألني، 
حيث الصمت أحيانا يكون أبلغ من السؤال، 
والأنتظار جزء من نضج المعرفة.

وفي خضم الضعف البشري، 
أسمع اللاء السابعة 
لا تؤاخذني بما نسيت، 
والثامنة 
ولا ترهقني من أمري عسرا، 
فأتأمل كيف يتلطف الإنسان بأخيه الإنسان، 
وكيف تجب الرحمة في مراعاة الطاقات والقدرات، 
فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

فإذا ما وصلنا إلى اللاء التاسعة 
فلا تصاحبني، 
أدركت أن للعلاقات عمرا، 
وأن للكرامة مكانا لا يجوز تجاوزه، 
فمتى أنعدم الصبر 
بطلت الصحبة.

ويأتي مسك الختام، 
اللاء العاشرة التي تزلزل كل وثن خفي في الصدر: 
ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. 
هنا، وعند هذا المآل، 
تذوب الأنا، 
وتتلاشى الوجوه، 
ويغيب الخلق، 
ولا يبقى في المشهد إلا الواحد 
الذي يرجى لقاؤه بالعمل الصالح وحده.

يا لهذا النور الذي يتجدد كل جمعة. 
فما أجمل أن نخلط مداد هذه التدبرات 
بعطر الصلاة والسلام 
على من أنزل عليه هذا الكتاب، 
سيدنا محمد صل الله عليه وسلم، 
الذي كان خلقه القرآن، 
وكان لنا في كل لا نطق بها نجاة، 
وفي كل صلاة نرفعها عليه رفعة.

طابت جمعتكم بنور الكهف 
وريح الصلاة على النبي المصطفى.

توقيع
محمدنورالدين محمد

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ