حين ينهض النهار فينا
بقلمي هدى عبده

يأتي النهار
لا كساعةٍ تُعلّقها السماء،
بل كقلبٍ جديد
يُسلّم إلينا كل مرة
لنحسن العيش به.
يخرج الضوء من بين تعب الليل
هادئًا
كمن لا يريد إيقاظ الجراح،
يمس الوجوه برفق،
ويعيد للأشياء أسماءها الأولى.
تنهض الشوارع
تُصلح شعرها،
وتفتح النوافذ
فتتسرب الأدعية
مع رائحة الخبز
ومع صوت أمّ
توصي يومها بأبنائها.
الطيور تتعلم الطيران من جديد
لا لأنها نسيت،
بل لأن الفرح
يحتاج تمرينًا كل صباح.
الأشجار تمدّ أذرعها
كأنها تبارك العابرين،
والأرض تشهق
حين تلمسها الخطوات
فتتذكر أنها حية.
في الأزقة
تسير الوجوه متجاورة،
لا يعرف أحدهم اسم الآخر
لكنهم يشبهون بعضهم
في التعب،
وفي الأمل المؤجّل،
وفي تلك الابتسامة الصغيرة
التي تكفي
لإعلان السلام.
الأطفال يحملون أحلامهم
يمشون بثقة من لم يخسر بعد،
ومن يظن أن العالم
كتابٌ مفتوح
ينتظر سؤاله.
في أماكن التعلّم
تُزرع الأفكار
كما تُزرع الأشجار:
بصبر،
وبإيمانٍ
أن الظل سيأتي
وإن طال الانتظار.
في البيوت
تتبادل القلوب طقوس الطمأنينة:
فنجان قهوة،
كلمة دافئة،
نظرة تقول
عد سالمًا
فنحن هنا.
الآباء يمضون
يحملون الوطن في جيوبهم،
والأمهات يخبئن الوطن
في الدعاء.
الشيوخ يستعيدون الحكايات
لا ليحنّوا فقط،
بل ليقولوا:
كنا هنا،
وعشنا،
وأحببنا.
حين يرتفع النداء
تسكن الضوضاء داخل الأرواح،
وتعرف القلوب طريقها
نحو معنى أكبر منها.
وفي الحقول
يتفق العرق مع التراب
على معجزة جديدة،
ويفهم الفلاح
أن الوطن
يُروى باليد
وبالصبر
وبالأغنية.
هكذا
ينتشر الحب
بلا ضجيج،
في التفاصيل الصغيرة،
في المصافحة،
في الخدمة،
في الانتظار النبيل.
ليس الوطن خريطة،
ولا شعارًا،
ولا ذكرى معلّقة،
الوطن
هو هذا النهار
حين ينهض فينا،
وننهض به،
ونحمله
من قلبٍ إلى قلب
كأنه الحياة.
بقلمي🖋
د. هدى عبده

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ