الطــوفان والـذرية (3).
رحـلة المعـرفة طـويلـة وشــاقة، أخطـر مـا فيهـــا العـلوم الموجهـــة والعـلوم المـأجـورة. مـن كـان يـريد المعــرفة ســيثق بهـذه العــلوم دون بحـــث أو فهــم، أمـا مـن كــان يـريد الفهــم والإدراك ســيتوقف عـند هـذه العـلوم، بعـين البصــيرة لا بعــين البصـــر، البصــيرة تـري الماورائيـــات والبصــر لا يــري إلا صــور مركبـــة مـن المــخ عـبر واقــع محــدد الأبعــاد، ســواء مكـانية أو زمانيــة. هنــا ســيتم غـربـلة العــلوم، وسـيتم التخـلص مـن الفاســد منهـــا. الفــراغ بيــن الفهــم والمعــرفة يلتهــم كــثيرا مـن الحقــائق، ولا يطفـــو فـي هـذا الفــراغ إلا مـا هـو رمــادي، والمخــلوط بالـزبد عـديم القيمـة والمنفعـــة. الفهـم يـؤدي إلـي اليقــين، والمعــرفة السـطحية تـؤدي إلـي الضــلال والإضــلال.
المعــرفة بـدون فهــم (يقيــن) هـي الطـريق إلـي التهلكـــة، والفهــم مـع القليـــل مـن المعــرفة يـؤدي إلـي النــور، بعــيدا عـن الـوهـم والســراب والـدخـن والرمـادي.
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ. ســورة الأنعـام.
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ. سـورة البقـرة.
وإكمـالا لمـا جـاء فـي الأجـزاء السـابقة عـن الـذزيـة بعـد الطــوفان، اجتهــد العلمــاء بكـافة طوائفـهم فـي محـاولة معـرفة ذلـك، وهنــاك ثـلاثـة احتمـالات لذلـك.
الأول: أن الطـوفان كـان فـي بقعــة جغـرافية، ولـم يشــمل الأرض بشــكل كـامــل.
الثــاني: هـو غـرق الأرض بشـكل كـامـل وفنــاء البشــرية، وكانــت الـبداية الجـديدة مـن بعـد جنـس آدم “الخـلق الأول”، ذريـة نـوح عليـه الســلام ومـن معـه مـن المؤمنيـن.
الثالــث: هـو غـرق الأرض بشـكل كـامـل وفنــاء البشــرية، وكانــت الـبداية الجـديدة مـن بعـد جنـس آدم “الخـلق الأول”، ذريـة نـوح عليـه الســلام دون غــيره ممـن كـانـوا معــه.
والاحتمـال الأول فـي تقــديري غـير مـرجح، فـدعـاء نـبي الله نـوح عليـه السـلام، كـان عـام وواضــحا لا لبـس فيـه (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا. سـورة نـوح). وهـذا يعـني الأرض بشـكل عـام، ويـؤكـد ذلـك الـدعـاء عـلي الكـافرين بشـكل عـام، وليـس بشـكل خـاص عـلي فئـة دون آخـري، فمـن آمـن ركـــب معــه ومـن كفـــر كـان مـن المهلكــين. وهنــاك العـديد مـن الأســاطير فـي كـافة بقــاع الأرض، تـؤكـد حـدوث فيضــان أو كـارثـة كـونيـــة، تســببت فـي فنـاء البشـرية. والأسـاطير لا يعتــد بهـا كـدلائـل علميــة أو واقعيـــة، لكـن ســجلتها الحضـارات المنـدثرة. بالمنطــق أسـاس كـل أســطورة حـدث حقيقــي، أضــيف أليــه الكــثير أو حـذف منـه الكــثير وفـق الثقــافات المتـوارثة. والاحتمــال الأول قـد يكـون غــير صــحيح، وذلـك لآن البعــد الزمـني مـا بيـن نـبي الله نـوح عليـه السـلام، ومـن قبــله نـبي الله إدريـس عليـه الســلام، ومـن قبلهمــا آدم عليـه السـلام ليـس ببعــيدة. وفـي تقــديري أنـه هنـاك حضــارات متقــدمة جـدا، انتشــرت وانتشــر معهـا النـاس عـلي الأرض بشـكل عـام، وكـان هنــاك وســائل للتواصــل والانتقـــال، لـذا كـان مـن الســهل عـلي نـوح عليـه الســلام صــناعة الفـلك، والتـي يلـزمها مـرفـأ “حـوض” لصنــاعة الســفن، وأطــلق الله ســبحانه وتعـالي الفــلك لكـونها سـتسـبح كمـا تســبح الأجـرام الســماوية، وهـذه الفـلك قـد تشــبه فـي عصــرنا الحـالي البـوارج أو حـامـلات الطــائرات.
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ. سـورة هـود 37 (التصـميم والتنفـيذ للفـلك وفـق ســنن وقوانيـن الله سـبحانه وتعـالي، لـذا لا تحتـاج إلـي اختبــار وتجــربة Startup & commissioning.
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ. سـورة هـود 42.
ليـس مـن المنطــقي فـلك تقليــدية  بدائيـــة تجـري فـي مـوج كالجبــال، دون وسـائل ســيطرة وتحكــم. وكيــف تجــري فـي مـوج كالجبــال وأبنـه فـي معــزل “آي بعـيد فـي مكــان مـا”، وعـلي الـرغـم مـن ذلـك تـم التواصــل معــه حـتي حـال بينهمــا المـوج (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ. سـورة هـود).
ويـؤكـد أن الطـوفان كـان لأهـل الأرض مـا جـاء فـي الأحاديـث النبـوية الصـحيحة.
ولكن ائْتُوا نوحًا رأسَ النبيينَ فيأتون نوحًا فيقولونَ: يا نوحُ اشفعْ لَنَا إلى ربكَ فليقضِ بينَنَا فيقولُ: إني لستُ هناكُم إني قد دعوتُ دعوةً أَغْرَقَتْ أهلَ الأرضِ وإنه لا يهمُّنِي اليومَ إلا نفسِي ولكن ائْتُوا إبراهيمَ خليلَ اللهِ عليه السلامُ.
الـراوي: عبـد الله بن عبـاس والمحـدث: أحمـد شـاكر والمصـدر: تخـريج المسـند لشــاكر وخلاصـة حكـم المحـدث: إسـناده صـحيح.
اذهَبوا إلى نوحٍ، فيَأتونَ نوحًا، فيَقولونَ: يا نوحُ، أنتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهلِ الأرضِ، وسَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكورًا، أما تَرى إلى ما نَحنُ فيه؟ ألا تَرى إلى ما بَلَغَنا؟ ألا تَشفَعُ لَنا إلى رَبِّكَ؟ فيَقولُ: رَبِّي غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَم يَغضَبْ قَبلَه مِثلَه، ولا يَغضَبُ بَعدَه مِثلَه، نَفسي نَفسي.
الـراوي: أبو هـريـرة والمحـدث: البخـاري والمصـدر: صـحيح البخـاري وخلاصـة حكـم المحـدث: صـحيح.
كمـا أن حمــل الحيــوانات معــه بـأمـر الله ســبحانه وتعـالي، دليـلا أن الطـوفان ليـس لبقعـة جغـرافيـة بعينهـــا، لكـن للأرض بشـكل عـام. وهـذا يلـزمه الكــثير مـن التـدبر بعــيدا عـن الأقــوال التـي لا تناســـب ولا تتماشـي مـع العقــل والمنطــق، فـآيـات القــرآن محكمــة وتفصــيلها داخـل القـرآن لمـن يحســن الفهــم والتـدبر مـع تـوافـر العــلوم الحقيقيــة المكتشــفة الآن (الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. سـورة هـود 1).
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي.
خــالــد عــبد الصـــــمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ