
لمـاذا غـاب فهـم القـرآن الكـريـم (16).
يتحــدث الكــثير والكثيـــر عـن الأمــراض النفســية، وهـذا تعريــف خـاطئ بـل ومضــلل. فالنفـس لا تمـرض لكـن القلــب بالمفهــوم القـرآني هـو مـن يمـرض، لكـن النفـس أمـا أن تــزكـي وأمـا أن تـدس “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا. ســورة الشـمس”. مـرض القلــب يصــيب العقــل والجســـم، بـآفة المعاصـي والتمــرد عـلي المنهـج والتكلــيف “هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ. سـورة آل عمـران – يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
(9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ. ســورة البقـرة”.
العـلاقـة بيـن القلــب والنفـس والعقـــل، عـلاقـة شــديدة التعقيــد، ولتجـنب الفـراغ النـاجم عـن هـذه العــلاقة، تـزكي النفـس فلا تغـلق بـاب القلـــب، ليبــدأ العقــل فـي محـاولة إدخـال الهـدي كبـديل للضــلال فـي دهاليــز القلــب “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. سـورة الحـج 46”.
الحقيقــة ليســت هنــاك أمـراض نفســية، لكـن هنــاك ضــلالة نفســية، وهـي الخطــوة الأولـي فـي مشــروع الشــيطان “وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. ســورة النسـاء”.
فمـا يسـمي بالتـوتر والقـلق والاكتئــاب والسـادية والمازوخيـة والبيـدوفيليـا وغـيرها، مـا هـي إلا أســماء تـم إطلاقهــا عـلي حـالات بعينهـــا، تعـاني مـن آفـة مـرض القــلوب وزيغهـــا.
ومـع ازديــاد الـوعـي الـزائف، ازدادت الأمـراض القلبيـــة، وتـم عمـل تصــنيفات لهـا، وتـم اســتحداث أســماء بالتبعيــة، ومـع اتســاع رقعــة ما يسـمي بالتواصــل الاجتمــاعي، صــارت البيئــة خصــبة وممهـدة لانتقــال وتنـاقل هـذه الآفــة، فازدادت الرغبـــات زيـادة غـير منطقيـــة وغــير مــبررة. فبــدأت الضــغوط عـلي الأفــراد والأســر والمجتمعــات، وخاصــة فـي جيــل الشــباب “المســتقبل” وما يطـلق عليـه المراهقــين. الرغبــة فـي الاســتمتاع دون تقنــين، صــارت آفـة مـدمـرة للأجيــال الحاليــة والمقبــلة “الحاضـر والمسـتقبل”. كـثرة الطلــب جعلــت مـن الجمـيع مســتهلكين لا منتجــين، ومـن هنــا جـاء أســم رقــائق الثـلج أو الجيــل الزجـاجي عـلي الجيــل الحــالي، ليتـــوافق مـع مـا أطلقــوا عليــه الهشـاشـة النفســية التـي يتمتــع بهـا هـذا الجيــل.
المجتـمع الـذي يتمتــع بالســطحية، هـو مجتمـع اســتهلاكي لا يفكـــر، بـل تمـلي عليـه الأفكــار “متلقــي”، فيـأخذ بهـا دون عنــاء التفكــير أو محـاولة الفهــم، وعـندما يصــير المجتمــع متلقـــي، فقــد هويتـــه.
الصــلابة والمقــاومة تكتســب مـن العنــاء والضــغوط والحـرمـان والمصــابرة، لكـن الإتأحيـة المفرطــة تصــيب الإنســان بالكســـل والجمـود وما يسـمي النرجســية، وحـب الــذات دون الآخـرين، فيتلاشــي الإيثـــار للغــير “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. سـورة الحشـر 9”. بـل وصــارت الشــجاعة دائمــا مـن وراء حجــاب، ليســت فـي المباشــرة “المواجهـــة” بيــن الأفــراد وبعضــهم البعـض، وهـذا مـا يطــلق عليـه الخـوف والقــلق الاجتمــاعي. وفـي ظــل هـذا القــلق والتـوتر المجتمـعي والأســري، يحـدث التصــادم وهـو ما يسـمي تصــادم الأجيــال، وفـي إطــار التصــادم تســقط الأفكــار والثقــافة والهــوية. وهنــا يطفـــو عـلي الســطج، عـدم الرضــا بالمكتســبات بـدلا مـن عـدم الرضــا بالطمــوحات. الرغبـــة فـي الحصــول عـلي المكتســبات دون مجهــود، صــار ســمة العصـــر، وفـي تقــديري هـذا ما يســمي الانفصــال عـن الـواقـع والانفصــال عـن الإرادة، وهـذه هـي العـزلة المختــارة والفـراغ الممــلؤ بالتقصــير اتجـاه النفـس والغـــير.
غيــاب التــوازن أصــاب المجتمــع فـي مقتـــل، أختفــي مـا يسـمي بمعـامل الإحبـــاط، لـذا الكــل يســرع فـي عـدم تأخــير الرغبـــات دون انتظـــار “حصــاد الحقــوق دون مـراعـاة الواجبـــات”، تناســي الجميــع قــول الله ســبحانه وتعــالي، ســواء بالغفـــلة أو عـن قصـــد “وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ. سـورة النازعـات 40”.
شــفاء النفـس فـي القــرآن الكــريم “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا. سـورة الأسـراء 82”.
تـرياق النفـس ومصــل الـوقـاية فـي القــرآن الكــريم، فـي ســورتي الفــلق والنــاس عـند حســن التـدبر.
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ. سـورة الفـلق.
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَٰهِ النَّاسِ (3) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ. سـورة النـاس.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
أضف تعليق