لمـاذا غـاب فهـم القـرآن الكـريـم (19).
التغــافل لابـد أن يشــمل المحيــط بكـافة درجــاته، فالتغــافل عـن زلات الأحبــة والأصــدقاء والأهــل والأســرة، قـد يكـون التغـافل مـن أصــعب الاختبــارات وأكثـرها آيـلاما. وعـلي الـرغـم مـن ذلـك هنــاك نشــوة شــعورية، حـين يتغــافل الإنســان عـن هفــوة فعلهـــا آخـر عـن قصــد أو دون قصــد، وهـذا هـو الرضــا النفســي عـند التـرفع عـن إلحـاق ألـم الحـرج أو الاعـتذار عـلي الآخـر، عـندها الآخـر يـدرك العـرفان والتقــدير والاحــترام لمـن تغــافل هفــوته. التغــافل لغــة لا تفهمهـا إلا النفـوس الراقيــة، التـي تقـدر الشــعور الإنســاني، ولا تتعمــد خـدش بـريق كــبرياء الآخــر لكـي تنــال مـن قـدره. التغــافل ســلم يصــعد عليـه الجمـيع إلـي دروب الأخـلاق. التغـافل رســائل مملــؤة بتقـدير الحــب، والإبقـــاء عـلى الــود، وســلامة الصــدر، وحسـن النيــة، وليـن الجانــب.
التغــافل مـع ما نســميه العــدو ســــهل، فالعـدو لا يتـوقع منـه الخــير، أمـا المقـربين عـندما يصــدر منهــم مـا يـؤلـم، فـأن الجــرح يكــون أعمـق والصـمت يكـون أثقــل.
ولقـد ضـرب نبـي الله يوسـف عليـه السـلام مثــل رائـع، عـندما تغــافل عـن تطــاول اخـوته (قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ. سـورة يوسـف 77)،
التغـافل هـو التـرفع عـن الدنـايـا وســفاســف الأمـور وهفــواتها، التـي لا تغــير الحقــائق ولا تبــدد الحقــوق ولا تحـط مـن الكـرامة، ولا تقــر منكــرا ولا تنكـــر معــروفا، ولا تؤصــل لبـاطل.
أكـثر العـلاقات متــانة لا تنهـــار بســبب الخيــانة الكــبري أو الكـارثة الضــخمة، بـل تنهـــار تحــت وطــأة تـراكـم الهفــوات الصــغيرة، التـي لـم يتـم التغــافل عنهـــا ” كلمــات عـابـرة لـم تنســـي – زلات أحصــيت حـتي صــارت ســـجلا يقــرأ مـع كـل خــلاف”.
وهـذا مـا يطـلق عليـه مـرض التحاســب الدقيـــق فـي العـلاقـات الإنســانية، وهكــذا تتحــول العـلاقـات إلـي محكمـــة دائمـة الانعقــاد. والتغــافل هنــا يعـني تمــيز مـا يمــر دون حفــظ، حـتي لا نـؤذي أنفســنا. وهكـذا يـتم التخــلص مما يسـمي التضــخيم العاطــفي، وهـو أن اللحظــة الانفعـالية تضــخم الأشــياء العـابرة، وتجعـلها تبــدو جســيمة، فالكلمـة العـادية فـي لحظــة التـوتر قـد تبــدو إهـانـة، والصـمت الطـبيعي قـد يبــدو عقــوبة، والنســيان البسـيط قـد يبــدو تجـاهـلا مقصــودا. وعـندما تمــر الانفعــالات ويعــود الهــدوء، يتـم رؤيــة الأشــياء بحجمهـــا الطــبيعي، وهكــذا يكــون التغــافل درع يحمـي الإنســان مـن التضــخيم العاطــفي فـي اللحظــة الحـرجة. وهــذا مـا يمكـن أن نطــلق عليــه حســن الظــن الإرادي، وهـو اختيــار حســن الظــن بمـن نحــب، وحســن الظــن هنــا هـو اختيـــار زاويــة الـرؤيـة المناســبة للحـدث، حـتي تســتمر العـلاقـات بشــكل مـريح وانســيابي. ومـن ثمــار التغــافل فـي العلاقــات الإنســانية، هـو إيجــاد منــاخ مـن الأمـان النفســي، فحـين يعــرف النـاس أن المـرء لا يتصــيد الأخطــاء، ولا يحصــي الـزلات والهفــوات، يشــعرون  بارتيــاح بالقــرب منـه، ويتصــرفون فـي الحضـــور بتلقــائية وصــدق دون تكــلف، لأنهـم لا يخشــون المحاســبة الدائمــة.
وهـذا مـا يعطــي للحيــاة “مشــروع الاســتخلاف” عـلاقـات، فيهـا متســع للخطــأ والاعــتذار والتجــاوز والنمـــو. أمـا عـند عقــد المحكمــة بشــكل دائـم يفقــد الجمـيع التــوازن، وهـذا الإرهـــاق يفــرغ العـلاقة مـن معانيهـــا ومضــامينها، فتتحــول إلـي قفـــص “ســـجن” لا ملجـــأ. وهكــذا يتحــول التغــافل إلـي مصــدر للـراحـة، بـدلا مـن مصــدر للاســـتنزاف.
وقصــة نبـي الله يوســف عليـه الســلام، مضــمونها ظـاهـرة مجتمعيــة تتعاقــب فـي الأجيــال حـتي قيـام الســاعة، وقـد تخللهــا التغـافل لكـي تســتقيم العـلاقـات الأســرية والمجتمعــية.
وهنــا يجــب التوقـــف لتــدبر أســماء الله ســبحانه وتعـالي الحســني، العفـــو – الغفـــور – الغفـــار.
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. سـورة البقـرة 52.
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا. ســورة النسـاء.
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ. سـورة الشـوري 25.
وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ. سـورة الشـوري 30.
الله سـبحانه وتعـالي كـثير العفـــو والصــفح، وقـد أمـر الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم والمؤمنيــن بالعفــو والصـفح والتسـامح.
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. سـورة آل عمـران 159.
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. سـورة الأعـراف 199.
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. سـورة المـائدة 13.
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. سـورة التحـريم 3.
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. سـورة الـزخـرف 89.
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. سـورة الشـعراء.
وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. سـورة البقـرة 109.
وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. سـورة البقـرة 237.
إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا. سـورة النسـاء 149.
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ. سـورة الحجـر 85.
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. سـورة المؤمنـون.
وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. سـورة النـور 22.
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ. سـورة القـصص 55.
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. سـورة الشـوري 40.
قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ. سـورة الجاثيـة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. سـورة التغـابن 14.
والآيـات السـابقة وغـيرها الكــثير يضــعنا أمـام منظــومة متكـاملة مـن العفــو والتســامح، والعفــو جـاء مـن موضــع قــوة وتمكــن وســيطرة وعــزة، وليـس مـن موضــع الانقيــاد والخنـــوع. فالمـؤمن مـأمـور بالعفـــو، والتـرفع عـن الدنـايا وســفاسـف الأمــور، فالحيــاة الدنيـــا ليســت هـدفـا ولا مغنمـــا، وأنـه لا يتـرفع عـن الدنـايـا إلا كـريم.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.
خــالــد عــبد الصـــــمد.

اترك تعليقًا

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
أنشئ موقعك الإلكتروني مجانًا على WordPress.com.أنشئ موقعك الإلكتروني.
ابدأ مجانًا