(رَشفُ الرُّضاب)
في عام 1978 – وكُنتُ في الرابعة والعِشرين – أُعالج أمر طلاء أحد الجدران في بيت من بيوت بغداد ، بعد أن انقطع السبيل إلى أن أعملَ بمِهنَتي ، فلم يَعُد أمامي إلا الكدح بالجَسَد ، التَفَتُّ إلى حيثُ تأدَّى إلى سمعى صوتٌ أرَقُّ من النَّسائم النادية في هجير القَيْظ ، فإذا غادَةٌ حالية لم تبلُغ من ربيعها العشرين بيضاءُ مُشَرَّبَة الخدين بصبيب الورد ، لفَّاء ،ناهِدٌ ، وضيئة المُحَيَّا ، أسيلَة الشَّعر ، لو هبَّ خيالُها على مُدنَفٍ تالِفٍ ، لأبرَاَه ، وبادَرَتني بلهجَتها العراقية ، وبصوتٍ كأنما يصدرُ من بابل ، وكانَ الجوُّ حارًّا وقد جفَّ ريقي وراحَ جبيني يتَفَصَّدُ عَرَقًا : (عيني تِريد مَي ؟) ، فلم أملك إلا أن أقول :
ماءً تُريــــدُ ؟ فُديــتَ يـَا رِيــمَ الـعَرَبْ
رَشـفُ الـرُّضابِ مِن الشِّـفاهِ هـوَ الأَرَبْ
يا ذَوْبَ قلـــبٍ جَرَّعَتْهُ يَـــــدُ الـحَيــــا
ةِ الـوَجْـدَ إنْ تَقسـي عَلَـيهِ فقَد نَـضَبْ
شَـكــواهُ أنْ تَبْـــلَى الـقَناعَةُ والـكَــرَى
وجَـواهُ أنْ تَحيــَــا الـلُّبــانَـةُ والطَّلَــبْ
وَجــهُ يُريـــــقُ الـسِّحـرَ إمَّـا أجدَبَــتْ
نَفـسُ الـمُعَنَّى والـعُيـونُ لَهُ سَـــبَـــبْ
يَـحْمَرُّ مِنْ خَجَـلٍ ويُومِضُ مِن هَـــوًى
ويَميـلُ مِن لِــيـنٍ ويَشـرُدُ مِن عَجَــبْ
وَطَــــرٌ تَـــلاعَبَ بالفُــــــؤادِ كــأنَّــــهُ
وَتـــَـــرٌ تٌمَـوِّجُـهُ الأنـَــــامِلُ لـلطَّــربْ
مَجْلَـى البَهـَــــاءِ ورُبَّ حُســنٍ دُونَـــهُ
أَرَبَ البَهَـــــاءَ جَـلا المَلالَةَ واحتَـجَبْ
(محمد رشاد محمود)

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ