
قصة حب رومانسية بعنوان
” الزنبقة البيضاء ”
……………………
تمر الآن ذكرى اليوبيل الماسي للشاعر الشيخ صهيب سويدان المكنى ” قسورة الكندي ” من مدينة قارة مواليد ١٩٣٠ . وكلمة
قسورة تعني الأسد وكلمة الكندي ، تعني قبيلة كندة العربية الذي يعود نسب الشاعر إلى هذه القبيلة . فيصبح المعنى ” اسد بني كندة ” .
عرف الشيخ صهيب سويدان ، شاعرا
بالفطرة منذ أن كان في العاشرة من العمر . تأثر شعره بالبيئة التي عاشها في سهول ومزارع ومرتفعات جبل قارة . كما تناولت
معظم قصائده ، الشيم العربية الأصيلة
ومكارم الأخلاق التي تربى عليها منذ نعومة
اظفاره . كان طموحا للعلم والثقافة . تتلمذ على أيدي كبار العلماء في دمشق حتى أصبح قبلة الأنظار ومشار البنان في كل مجلس . كان قدوته في الفكر والعمل ” أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي ” . الفيلسوف العربي عالم الرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء والموسيقا وعلم الكلام . والعالم
الفذ ” ابن رشد ” . الذي يقول ” إذا رأيت الخطيب يحثُّ الفقراءَ على الزهد دون الحديث عن سارقي قوتهم ، فاعلم انه لص ب ملابس واعظ ” . مع الاشارة أن ابن رشد أسس في
اوروبا المدرسة ” الارسطو رشدية ” التي حررت الفلسفة من الطوباية ونقلتها إلى العقلانية . وتخرج منها كبار علماء الفلسفة المادية في أوروبا . كانت كتب ابن رشد
محرمة في العالم العربي وفي القرن الوسيط في أوروبا لأنها تنادي بالحرية وحكم الشعب والعدالة الاجتماعية . ثم اقدم النظام العربي على حرق هذه الكتب التي تهدد نظام الطغيان والاستبداد الذي لا يزال قائما في النظام العربي البدائي المتخلف حتى يومنا هذا .
وقد حذر الشيخ صهيب علماء الدين
الإسلامي من الانغلاق الفكري على العلوم الكونية الحديثة انطلاقا من الآية الكريمة .
” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ” . هذا الانغلاق هو السبب في تخلف العرب عن
اللحاق في ركب الحضارة الحديثة . على عكس ما حدث في أوروبا في عصر النهضة
التي تخلصت من سيطرة الكنيسة ورجال الدين على الدولة والمجتمع . واتخذت من
العلوم الحديثة الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك والميكانيك . اساس التعليم
في المدارس والجامعات . مع الاشارة أن طبقة الإقطاع والأسر الحاكمة في الوطن
العربي كانوا يكتفون في برامج التعليم على
العلوم الدينية كي تبقى طبقة الفقراء من
الفلاحين والعمال متخلفة علميا مثل القطيع . لا يدركون حقوقهم المشروعة التي يجب المطالبة بها ونيلها . يرسخ الحكام في أذهانهم مفهوم ان ملكية الارض والثروة هي قسمة من عند الله وان الفقراء لا يملكون شيئا في الدنيا لان نصيبهم في الجنة . مثلما كانت الكنيسة في القرون الوسطى تبيع صكوك الغفران للفقراء كي يدخلوا الجنة . مع الاشارة ان من رسخ وجود إسرائيل في فلسطين . هو النظام العربي الحاكم الجاهل المتخلف الذي يستخدم الدين والطائفية والقبلية كي يبقى جاسما على كرسي الحكم حتى يومنا هذا ، بمباركة من امريكا واسرائيل الذي يشجعون استمرار حكم هذه الأنظمة ليتحكمون بها مثل أحجار الشطرنج .
آن الأوان ودقت ساعة الصفر ، لقيام الجماهير العربية في كل مكان والوقوف يدا بيد لاسقاط النظام الدكتاتوري العربي مهما بلغت التضحيات ، وإقامة الاتحاد العربي
الديموقراطي وانشاء دولة حديثة قوية قادرة
على الوقوف في وجه الصهيونية وأعداء العرب أينما كانوا . . .
كان الشيخ صهيب حين يلقي المحاضرات الإسلامية ذات الاتجاه العلمي التحرري التقدمي ، كما توضح كتب الفلسفة التي ألفها ، في الجامع العمري في قارة ، من الصعب أن تجد مكانا داخل أروقة الجامع ، مما يدفع الناس للجلوس في الصحن الخارجي والاستماع الى المحاضرة على مكبر الصوت .
كان ينشر قصائده في الصحف المحلية ، مكان إقامته في الكويت بمدينة الاحمدي . كان شعره مدرسة أخلاقية تحمل المثل العليا التي يجب أن يتربى عليها ويتحلى بها الجيل العربي الصاعد . كما لقي الأهل والأقارب
والأصدقاء الكثير من الثناء والكلمات الحسنى في قصائده . قصائد اخرى من شعره ، نادت بالوقوف في وجه الإقطاع والظلم والاستبداد والمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية .
كان في مجلسه في دارة والده الفسيحة في حي الجسر ، ساحة المقداد ” دارة أسعد سويدان ” . المؤلفة من ثلاثة دور . تملؤها الدوالي وأشجار المشمش والسفرجل . يستقبل الشاعر في ” بيت المضافة ” المفتوح نهارا وليلا على الشارع الرئيس. الأصدقاء والمعارف
وكل أطياف المجتمع . يقرأ عليهم الشعر . وينتهي اللقاء في كل يوم جمعة بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف والضيافة العربية الأصيلة .
كان الشاعر مشهورا بكرمه وتواضعه
وإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاجين . قضى
معظم حياته في بلاد الغربة . يعمل بعرق جبينه في مجال العمارة والبناء في دمشق
والسعودية والكويت ولا زال انجاله حتى الآن يعملون في دولة الكويت .
الأستاذ الفضل سويدان ، جزاه الله كل خير . الشاب العربي المقدام الشهم الاصيل ، رافع علم الحرية في قمة جبل قارة الاشم . قام بنشر أحدى قصائد شقيقي الشاعر صهيب
سويدان طيب الله ثراه . من ديوانه بعنوان
” أم المناهل” التي يصف فيها كيف كانت قارة في ذلك الزمن الجميل الذي عاش فيه الشاعر . انا مدين لابن العم الاستاذ فضل في هذه المبادرة المشرفة النبيلة . . .
كانت البلدة تملؤها ينابيع المياه التي تتغذى من الثلوج الكثيفة التي تغطي سلسلة جبال لبنان الشرقية ، شتاء وصيفا ، وتمتد إلى جبل قارة الذي يتوسط تلك السلسلة .
وتمر تلك الينابيع ضمن اقنية رومانية حتى تصل السهول والوديان المحيطة بالقرية
وتشكل المزارع والبساتين في كل اتجاه تمر به
يصف الشاعر تلك العيون والينابيع الجميلة
ذات المياه العذبة في هذه القصيدة النادرة .
كانت عين القس من اجمل العيون التي تتجمع في بحيرة كبيرة . وسميت بهذا الاسم لأنها تمر داخل دير للرهبان والراهبات الذي يعتبر من أقدم الأديرة في جبال القلمون . يسمى ” دير مار يعقوب المقطع ” وفيه كنيسة ومطحنة ومكتبة تذخر بالمخطوطات العربية والآرامية . وباحة واسعة وأماكن لسكن الرهبان والراهبات . وقد رمم الدير عام ١٩٩٤ ، وأصبح مقرا للراهبات الأرثوذكس .
أذكر في طفولتي ، ذات مرة ذهبت للسباحة في بركة ، عين القس ، انا والصديق الاستاذ
محمود البريدي . وبعد انتهاء السباحة شعرنا بالجوع ، وأخذنا نتجول في ساحة الدير علنا نجد شيئا نأكله ، فجأة شاهدنا في شجرة
التين المجاورة لاستراحة ابونا الخوري
المسؤول عن الدير شيئا معلقا . فإذا بها ” زوادة ذات حجم كبير من الكبة والمقبلات المتنوعة ” . فتحنا الزوادة ، تناولنا الكبة
المشوية مع البطاطا والبندورة والبصل ، واعدنا الزوادة إلى مكانها ، ولم يعلم أحد عما حصل حينذاك . بقينا نذكر تلك الحادثة وشقاوة الطفولة ولا ننساها أبدا . . .
يتفرع من بركة عين القس عدد من السواقي تنتشر وسط المزارع والبساتين الخضراء لتسقي الخضار والأشجار المثمرة . المشمش ، الخوخ ، التفاح وغيرها . . .
كانت بساتين والدي المرحوم أسعد سويدان على شكل مزرعة ، يديرها اخي الاكبر ، الشاعر صهيب سويدان . تملؤها الاشجار الباسقة المذكورة أعلاه . مضافا اليها ، أشجار الرمان والجوز والتين والخوخ
والتين . تتغذى من عين مشهورة جدا تسمى
عين ” مغزلونة ” مجاورة لتلك البساتين . حيث يجتمع حول العين الصبايا عند غروب الشمس ، ليملأن الجرار بالمياه العذبة الباردة كالثلج . . .
أما الجانب الآخر من البلدة تنتشر في سهوله مزارع ” عين الطيبة ” . ”وعين البيضا ”
وكثيرا من العيون والينابيع الأخرى التي
تغطي القرية وتحيط بها على شكل حزام أخضر من الأشجار والبساتين الغناء .
من جهة أخرى ، تنتشر في المرتفعات الجبلية المتدرجة أشجار الكرمة والزيتون .
ودخلت مجددا زراعة أشجار الكرز التي غطت مساحات شاسعة في الوديان والمرتفعات الجبلية المذكورة . نالت شهرة واسعة في سوريا وتم تصديرها إلى بلدان العالم العربي .
يقول الشاعر في وصفه لتلك العيون
وينابيع المياه الرقراقة وكانه يتغزل بها ويصفها بالعيون الحور . . .
– سلوا أمَّ المناهلِ والعيونا
عيون كواكبٍ تُغني العيونا
– وهل عينُ الكواكبِ غير عيني
ودمعُ العين ماء المغزلونا
– وماء الطَيبةِ الرقراق فيضاً
وعينُ القِسِّ سلسالاً زَبونا
– فإن شئتُم مزيداً بيتَ شعر
نزيدُ بحبِّكمْ غزلاً مصونا
– نُرَصِّعُهُ بدمع العينِ حباً
لأجلِ عيونكمْ لو تسألونا
– سوى عينُ العيون وعينُ قاره
وعشرة أعينٍ تِلواً يلونا
– سلو عيني القريحةَ والعيونا
عيون متيَّمٍ يهوى العيونا
– إذا مالعين نصبَ العينِ صارتْ
عيوناً باللِّقا رمَقتْ عيونا
– سلوا أُمي العزيزةَ والعيونا
عيون حبيبةٍ تشفي العيونا
– فما بالعين إنسانٌ سواها
ولالمسَ المحاجرَ والعيونا
– فَعينُ الله تكلأُ عينَ أُمي
وعين أحبّةٍ قد فارقونا
– سلوا قلبي المُكَوَّى والعيونا
عيون معمِّرٍ زرعَ العيونا
– وعافَ الغرس والصّوان صفحاً.
وعافَ الغرسَ بلْ عافَ العيونا
– وعافَ المهرةَ الشقراء تِلواً
وسرحاً والهوادجَ والظُعونا
علاوة على ذلك ، كان الثلج يغمر البلدة ويغطي قمة جبل قارة التي يسمونها الحليمة . كانت درجة الحرارة تصل الى سبع درجات تحت الصفر . مما يؤدي إلى تحول مياه الأنهار إلى طبقة من الجليد . حتى أطلق على البلدة المثل الشعبي
” بين قارة والبنك بنات البكر تبكي ” . أذكر في طفولتي شلال المياه المتجمد النازل من دار جارنا قاسم الجرد . لا أصدق كيف استيقظ في الصباح الباكر مع عدد من الصبية ونبدأ بتكسير الجليد من الشلال المتجمد على شكل صواعد ونوازل ونحوله إلى قطع صغيرة نخلطها بالدبس ونلتهمها كأنها البوظة الشهية . . .
أما بيوت القرية والأشجار والشوارع
فقد لبست رداءها الأبيض ولم يعد يرى منها أي شيئ . ورغم تلك الظروف القاسية . كان على تلاميذ المدارس أن يذهبوا إلى المدرسة
ويجلبوا معهم قطعا من الحطب من أجل وضعها في مدفأة الصف . ولكثرة اللعب
والتراشق في الثلج في باحة المدرسة لم نكن نشعر بالبرد أبدا . أذكر أن أستاذنا المرحوم
رياض قدور ، ذو السمعة العطرة في البلدة ، كان يقول لنا بالصف : الطالب البردان يرفع
يده . فنرفع أيدينا جميعا . يقول الأستاذ إذن اتبعوني إلى باحة المدرسة .
هناك نبدأ التراشق بالثلج ، حتى أن الأستاذ رياض لم يعد يظهر شكله إلا كتمثال بلون ابيض لكثرة مارشقه الطلاب بكراة الثلج وهو يبتسم لهم . . .
” الزنبقة البيضاء ”
أما القصة القصيرة التي اود ذكرها ، تحمل هدفا وطنيا يدور في فلك الحرية . يمثل أبطالها مرحلة الاقطاع التي كانت سائدة في سوريا في عهد الدولة العثمانية ثم تلاها الاستعمار الفرنسي . واستمرت بعد أن نالت سوريا الاستقلال عن فرنسا حتى قيام الوحدة بين مصر وسورية . حيث قام الرئيس جمال عبد الناصر بإسقاط الإقطاع في مصر وسوريا . على الرغم من سقوط الإقطاع في سوريا الا أن أنها حكمت بانظمة شمولية
استبدادية بعيدة عن الحرية والديموقراطية وحكم الشعب .مثلها مثل بقية الأنظمة العربية الأخرى . لم يتمكن أي بلد عربي من إقامة نظام مدني ديموقراطي حتى يومنا هذا .
ولا ازال اذكر تلك القصة الشعبية التي كان الناس يتداولونها . عن أصل تسمية أعلى قمة في جبل قارة باسم ” الحليمة ” . تقول الحكاية التي روتها لوالدي ، جدتي المعمرة المغفور لها ” فطوم الجرد ” . . .
أن شابا وسيما من عامة الشعب من سكان البلدة يسمى ” عصام ” . يتحلى بالأخلاق
بالأخلاق العالية والشجاعة والذكاء . لديه مشروع زراعي في ضواحي البلدة . احب فتاة
جميلة جدا اسمها ” حليمة ” . يلقبونها
” الزنبقة البيضاء ” . غير ان حليمة كانت من طبقة الإقطاع . والدها واليا لتلك المنطقة في عهد الدولة العثمانية . أصبح من المستحيل على الشاب عصام المهندس الزراعي . أن يتزوج تلك الفتاة التي سحرت بجمالها وعلمها وادبها وثقافتها الأكاديمية العالية
” دكتوراه في علم النبات ، جامعة السوربون ” ليس قلوب الشباب فحسب بل كافة اهالي
البلدة . كانوا يحبونها حبا جما ، كونها شابة متواضعة وشعبية . إذا ضاعت من يديك حليمة وسألت عنها الناس ، تجدها مع بنات الفلاحين تساعدهم في العمل بالارض وجني
المحاصيل أو منشغلة بتعليم الاطفال الصغار ، مع المهندس الشاب ” عصام ” الذي ترتبط معه في علاقة حب رومانسية جدا ، في المدرسة الخاصة التي افتتحتها مجانا على نفقتها الشخصية والتي تشبه ما يسمى بالروضة هذه
الايام . بدلا من ذهابهم ليتعلموا عند الشيخ ” الكتاب ” . . .
اتفق الحبيبان ” حليمة وعصام ” أن يذهب
عصام إلى قصر والدها لطلب يدها . غير أنه قوبل بالرفض والاستنكار الشديد . أن يقدم أحد الفلاحين ” المرابعون ” . على طلب يد فتاة من طبقة الاقطاعيبن ملاك الأراضي . فما كان من عصام وحليمة إلا أن بيتوا النية على الفرار من البلدة واللجوء إلى جبل قارة
الذي تغطيه الأشجار الحراجية والثلوج صيفا وشتاء حتى قمته . وقد صرحت الفتاة أكثر من مرة أمام أهلها بأنهم اذا لم يوافقوا على زواجها من عصام سوف تذهب خطيفة . مما
دفع والدها الى منعها الخروج من القصر
تحت حراسة مشددة . يقع القصر على هضبة مرتفعة في ضواحي البلدة ، تحيط بها الأشجار من كل جانب . . .
وللخروج من المأزق ، بث الشاب عصام واهله أخبارا مزيفة ، بأنه قرر الزواج من احدى
بنات البلدة ، فلاحة مثله ، وبدأت مراسم الزينة والاحتفالات ، التي استمرت ثلاثة أيام وسيكون الزفاف في اليوم الرابع . ودرجت عادات الإقطاع أيام الدولة العثمانية حيث
لا يوجد قانون . أن تذهب العروس الفلاحة
برفقة أمها وابيها ليلة الدخلة الى قصر الاقطاعي ، ليبارك الأخير ، الزفاف ويقدم
لهم هدية الزواج ، عادة تكون نعجة أو خاروف أو ” عدل من القمح ” . . .
في تلك اللحظات اليائسة ، خلال ظلام الليل ، تسلل الشاب عصام وتسلق بالحبال
جدران القصر ولدى وصوله إلى السطح . أعطى ثلاث إشارات بالمصباح اليدوي .
حسب الاتفاق مع حليمة . ليعلمها عن
وصوله داخل القصر . سارعت حليمة إلى فتح نافذة غرفتها ونزل عصام إلى الداخل وكان ملثما بدون ان يكتشف أمره أحد من الحرس أو سكان القصر . . .
كانت حليمة قد جمعت البستها وكل ماتحتاجه في صندوق أعدته مسبقا لهذه المغامرة الخطيرة التي أقدمت عليها . وخرجا
معا من الباب الخلفي للقصر ، وهو باب سري خاص بأهل القصر . بينما كان الحراس يتجولون ويحرسون عند الابواب الرئيسة للقصر . . .
امتطى عصام وحبيبته حليمة ” الزنبقة
البيضاء ” ظهر الحصان الذي تم رباطه في مكان مموه خلف شجرة معمرة تتدلى أغصانها
حتى تلامس الأرض . وانطلق بها الى دار شيخ البلدة . ليكتب الكتاب حسب اتفاق مسبق مع الشيخ وحضور الشهود .
بعد الانتهاء من مراسم كتابة الكتاب توجه العروسان خارج البلدة نحو جبل قارة للاختباء وسط اشجار الشوح واللزاب والغار والسنديان المعمرة . لجآ إلى كوخ أعده عصام مسبقا من أغصان الأشجار بعد أن جرى تزويده بكافة المواد التموينية ولوازم العيش .
كانت الخطة التي رسمها عصام واهله تقضي أن يتركوا العروس الفلاحة تبيت ليلتها عند الاقطاعي مثلما درجت العادة مع
كل فتاة مقبلة على الزواج ، وتقوم باغرائه اطول فترة ممكنة من الليل بدون أن تدعه يمسها حتى يتمكن عصام وحليمة من الهروب والنجاة إلى جبل قارة . وفعلا هذا ما جرى .
غير أن الاقطاعي عيل صبره من قيام العروس بهذا الاغواء . ثم انقض عليها كالوحش لكي ينال منها ويباركها من دمه الأزرق . غير أنه فوجئ بأن العروس هي رجل من أعوان عصام قد تم تزيينه على شكل اجمل عروس رآها في حياته . فاجهز عليه محاولا قتله .
غير ان الرجل امسك الاقطاعي الذي كان ثملا من كثرة الشراب والاغراء الذي تعرض له ، وقيده بيديه وقدميه وربطه أمام بوابة القصر ليراه القاصي والداني وغادر المكان . حتى صاح الديك وأشرقت الشمس . قام الحراس
بفك الاقطاعي من الوثاق المكبل به .
على إثر هذه الضربة القاضية التي تلقاها الاقطاعي على يد عصام ورفاقه . سرت
الحادثة في أوساط البلدة سريان النار
في الهشيم ، كما انتقلت الأخبار إلى البلدات والقرى المجاورة ، واخذ الفلاحون يلوكون سيرة الاقطاعي التي غدت مثارا للسخرية والاستهزاء في كل مكان . . .
مضى على الحادثة عدة أشهر وجاء كانون الأول وبدأ الثلج يتساقط في قارة والبلدات
المجاورة وغطى كل شيئ باللون الأبيض . غير أن الاقطاعي لم ينس ما جرى له من ذل ومهانة . كان قلبه يمتلئ بالحقد والكراهية على عصام يوما بعد يوم .
يخطط للانتقام منه وتخليص ابنته من الخطف واعادتها إلى القصر وغسل العار الذي لحق به . ارسل العيون والجواسيس ليتتبعوا
اخبار عصام حتى وصلوا إلى أحراج جبل
قارة وكمنوا هناك خلف جذوع الأشجار .
كان الثلج يتساقط طوال الليل . شاهدوا
شبحا يتحرك وسط الظلام . كان عصام قد نصب هذا الشبح في إحدى المغارات عل هيئة دب اسود ضخم الحجم . فإذا جاء الليل ، أخرج الدب ووضعه على مقربة من الكوخ الذي يسكن فيه . ولشدة خوفهم أطلقوا عدة رصاصات على الشبح . مما نبه عصام الذي سارع ليعرف مصدر النيران . . .
عندما تأكد انهم من رجال الاقطاعي ،
وهو لا يملك شيئا للدفاع عن نفسه إلا السلاح الأبيض وبارودة لصيد الطيور والأرانب وغيرها من أجل التزود باللحوم التي لا غنى عنها للعيش في الاحراج الجبلية . القى عليهم كتلة كبيرة من الثلوج وهو يقلد صوت الذئب . فارتعدوا من الخوف وسقطوا يتدحرجون إلى الأسفل . . .
على إثر ذلك ، وتحسبا للمستقبل جعل عصام يعد العدة للانتقال إلى أعلى قمة في الجبل حيث أقام فيها بيتا جديدا تحت شجرة أرز معمرة تطل على جبل قارة وجبال لبنان وسهل البقاع .
بالإضافة الى ذلك ، بذلت جهود مكثفة من قبل عصام وحليمة لإعادة تشجير عدة مساحات خالية من الأشجار التي قطعت
من جبل قارة في عهد ” ابراهيم باشا ” لبناء أسطول حربي لمواجهة الدولة العثمانية .
كان المهندس عصام قد أختار أرضا ترابية تحت أشجار الزيتون ليزرع فيها الخضار والبطاطا والجزر . وفي ايام أخرى يخرج للصيد ، ويعود بالطرائد من الطيور والدرغل والحجل والأرانب . ونصب لحبيبته ” الزنبقة البيضاء ” مرجوحة تتمرجح فيها ، في شجرة السنديان التي تفرش أغصانها عل سطح المنزل المغطى بالقرميد . كما صنع سريرا جميلا من الخشب للمولود القادم بعد أن أصبحت حليمة حاملا في شهرها التاسع والأخير . غطته بشرشف زهري طرزت عليه بيديها ثمار التوت البري وأغصان من أزهار
التفاح والحرمان ، تغرد عليها العصافير . حليمة ايضا كانت تهتم بتربية الدجاج
والحمام والماعز وخلايا النحل . وجمع مياه الثلج في براميل مغلفة بالخشب تم الحصول عليها من لبنان .
كانت الحياة في قمة الجبل تحت الأشجار ، كثيرة الشبه بحياة ” روبنسون
كروزو ” الذي عاش وحيدا في تلك الجزيرة النائية عن البشر . بالمثل عاش عصام مع حبيبته ” الزنبقة البيضاء ” والمولود الجديد
” صخر ” ، بأمان وسلام . ومنذ ذلك الوقت ،
عرفت قمة جبل قارة بقمة الحليمة ” الزنبقة البيضاء” .
النهاية ، بعد أن عادوا من الجبل مع طفلهما الصغير ” صخر ” . استقبلوا بالأهازيج والطبول وأكاليل الغار . ازدادت شعبية عصام وحليمة ” الزنبقة البيضاء ” . وسط الفلاحين في البلدة والقرى المجاورة ، بعد أن لقنوا الاقطاعي درسا قاسيا لا ينساه أبد الدهر . تحررت نساء البلدة ورجالها من الذل والعار الذي لحق بهم على مر السنين . لم يعد الاقطاعي وامثاله الاوغاد ، يجرؤون على مباركة العروس ليلة دخلتها وانتهت تلك الجريمة النكراء ، التي يندى لها جبين الانسانية إلى الأبد . أضحت قصة
عصام وحليمة ” الزنبقة البيضاء ” . قصة شعبية يتداولها الناس جيلا بعد جيل .
أصبحت رمزا للوفاء والحب وشعلة الحرية
التي لاتطفئ في حليمة قارة . يتغنى بها الشعراء ويكتب عنها الأدباء قصص الحب
الخالدة للأبد .
……………………..
د . محمد يوسف سويدان
استاذ الأدب الانكليزي
مدير معهد اللغات الأجنبية
سوريا – طرطوس
٢٠ / ٧ / ٢٠٢
أضف تعليق