
النسيم العليل.
على التلِّ الهديلُ يُعيدُ ذكرى
وفي الصمتِ الشفيفِ دموعُ شِعرى
هنا كانَ الحبيبُ يمرُّ صبحًا
ويُهدي للندى وردَ العُمرِ حرّا
تغنّي الطيرُ أنغامَ اشتياقٍ
وتنمو الزهرُ من أنفاسِ فجرِه
فمذ غابَت خطاهُ عن الدروبِ
غدتْ عينُ الضياءِ تفيضُ قهرًا
نوارُ اللوزِ في أبهى اشتعالٍ
كأنّ الروحَ تسكنُ في زهره
تُقَبِّلُهُ الرياحُ برفقِ وجدٍ
كأنَّ الأرضَ تعرفُ سرَّ قبره
تفتحُ كلُّ زهرةٍ عن حكايةٍ
وتروي للفضاءِ سطورَ عمره
فلا موتٌ يُغيِّبُ مَن تنفَّسَ
هوى الأرضِ، وذابَ بحب خضره
وفي خريفِ الحقولِ تسيرُ ذكرى
على الأوراقِ، تنهَدُ مثلَ سَطرِه
تساقطَ لونُها كأنينِ قلبٍ
تَذكَّرَ كيفَ كانَ يُحِبُّ صَفره
وكانَ إذا تناثرَ ضوءُ شمسٍ
على أغصانِه يُصغي لِسِحره
يقولُ: الخوفُ ليسَ مِن انطفاءِ
ولكن من فُقدانِ مَن يُحسُّ بمره
فيا خريفَ، احملْ لهُ سلامًا
وزِنْ الأرضَ بأشواقٍ كَعَطره
فما زالَ النسيمُ إذا تنفَّسَ
يَمرُّ بلطفهِ… ويَعودُ حَسرَه
وفي الشتاءِ، إذا تَغرغَرَ غيمٌ
وباحَتْ للسماءِ مواجعُ العَصْرِ
تسلَّلَ صوتهُ دفئًا خفيًّا
يُلاطفُ بردَ نافذتي ويَسرِي
كأنَّ الريحَ تسألُ عن خُطاهُ
وتَقرَعُ بابَ ذاكرةِ القَفرِ
وكانَ إذا تساقطَ الثلجُ صمتًا
يُناديهِ: تعالَ نُشعلُ الجَمرِ
وتبكي المدفأةُ بنارِ شوقٍ
ويشتاقُ المكانُ لصوتِ وَترِه
فما بردُ الشتاءِ سوى افتقادٍ
لضحكتِهِ… لِدفءِ حديثِ صَدره
وفي الربيعِ، تنفَّسَتْ أرواحُنا
رحيقَ النورِ، من ظِلِّ المُعَنّى
نوارُ اللوزِ عادَ، كأنَّ فجرًا
بكاهُ الغيمُ فازدهرَ وتَغنّى
كأنّ الأرضَ تعرفُ من يُحبُّ
فتُخفيهُ… وتُظهِرُهُ تَمنّى
تُحيي خطاهُ في زهرٍ ونَدىً
وفي همسِ السنابلِ، إن تأنّى
فلا موتٌ إذا عادتْ حياةٌ
تُوشوشُ في الورودِ: هنا تَفنّى
لكنه عادَ في قلبِ الفصولِ
وصارَ بها القصيدةَ والمُغنّى.
الاستاذ محمد شيخي
أضف تعليق