مـا بيـن اليقيــن والضـلال (1).
تـأتي معـرفة الله رب العالميـن والمنهـج والتكلــيف عـن طـريق الرسـل والأنبيـاء، ومـع اليقيــن يـأتي دور العقــل فـي الاقتنـاع بالفطـرة السـليمة وتصـديق مـا جـاء بـه الانبيـاء والرســل. الرسـالات جميعهـا توحيـد وعمـل صـالح (قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْأَلُ عنْه أحَدًا بَعْدَكَ، وفي حَديثِ أبِي أُسامَةَ غَيْرَكَ، قالَ: قُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ، فَاسْتَقِمْ.
الـراوي: سـفيان بن عبـد الله الثقفـي والمحـدث: مسـلم والمصـدر: صـحيح مسـلم وخلاصـة حكـم المحـدث: صـحيح).
كانــت الفـرقـة تـأتي دائمـا بعـد وفـاة الرسـل والانبيـاء، وتفـرق الاتبـاع وتقـادم العهـد عـلي الكتـب السـماوية، وادخـال التحريفـات مـن اصـحاب الهـوي والمصـالح.
مـن هنـا ظهـر الضـلال، وكانـت قصـة العقـل مـع المعـرفة الإلهيـة متـاهة الفلاسـفة والعلمـاء واهـل المصـالح والسـياسـة، كـلا فكـر عـلي حســب هــواه. تـم اسـتغلال التـاريخ والسـرديات المكتـوبة دون حيـادية، فـي مـزج التوحيـد بالخـرافـات والوثنيــات.
وفـي العصـر الحديـث ومـع أحـادية القطــب، كـان لابـد مـن إيجـاد قـوة ذكيـة تـؤثـر فـي الفكــر السـياسـي والاسـتراتيجي لـذات العمـاد (غـرب الأطلسـي). كـان ظهـور عـلم العـلاقـات الدوليـة، وتأسـيس دائـرة الدراسـات الدوليـة فـي جامعـة آبيريســتويت ببريطانيــا في 1919م، كانـت النـواة للسـياسـة الخارجيـة لكـلا مـن ذات العمـاد والاتحـاد السـوفيتي والصـين الشـعبية خـلال الحـرب البـاردة ومـا بعـدها. وبعـد ســقوط الاتحـاد السـوفيتي عمـدت ذات العمـاد الـي نشــر المبـادئ والقيـم السـياسـية والاقتصـادية الغربيـة الليبـرالية، وفرضـها كـواقـع ضـد الشـيوعية والإسـلامية. ومـن هنـا كـان الاعتمـاد عـلي مـا يسـمي اسـاليب القـوة الناعمـة بمختلـف أشـكالها (الدبلوماسـية والدعائيــة وغـيرها)، بحجــة تعـزيز الديمقـراطية بالرغـم مـن توظـيف القـوة العسـكرية كخيـار لتعـزيز الديمقراطيـة، وحمـاية حقـوق الانسـان وفـق منظــور ذات العمـاد.
اسـتخدام القـوة الصـلبة بمختلـف أشـكالها (العســكرية والاقتصـادية وغـيرها)، وهـو ما يسـمي تكريـس سـياسـة القبضـة الحـديـديـة واســتخدام مع اسـتغلال التفـوق العســكري. أدي ذلـك الـي مـا اسـموه بالإرهـاب الـدولـي “قـد يكـون صـناعة وقـد يكـون نتـائج”، وهـذا قـد لا يكـون ارهـاب بنـاء عـلي قـواعـد وأسـس، لكنـه سـمي ارهـاب لتعارضـه مـع مصـالح ذات العمـاد، ومـن هنـا تـم ابتــداع ما يسـمي باســتراتيجية الاسـتباق (مواجهـة المخـاطر المتـولدة او التـي يمكـن ان تتـولد عـن انتشــار ظـاهـرة الإرهـاب الـدولـي، مما قـد يـؤدي الـي احتـواء وتغييــر الانظـمة التـي تعـتبر معارضــة “ضــد”).
وهكـذا يـتم الجمـع بيـن القـوة الذكيـة والقـوة الصـلبة فـي آن واحـد، وتـم اسـتخدام ذلـك فـي التأثيــر عـلي ســلوك الـدول. وذلـك بأنتقــاء الأداة المناســبة، او مجمـوعة مـن الأدوات التـي تتناســب مـع كـل وضــع. ومـن هنـا بـرز دور جمـاعات الضـغط، وسـاخص بالذكـر رسـم سـياسـة ذات العمـاد اتجـاه الشـرق الأوسـط، جمـاعات الضـغط لهـا دور داخـل ذات العمـاد، إذا تسـتطيع مـن خـلال قنـواتها المختلفـة تمـرير قوانيـن وأتخـاد قـرارات مصــيرية، ربمـا يصـعب تمـريرهـا عـلي مجلـس النـواب بالطـرق التقليـدية، بالإضـافة الـي قـدرتهـا عـلي تغــيير مواقـف وآراء للمكـونات الحكـوميـة والشـخصيات السـياسـية البـارزة، اتجـاه القضـايا التـي تنشـط فيهـا جمـاعات الضـغط. وخارجيــا هـذه الجمـاعات تســتغل علاقاتهـا بالحكـومات المركـزية او حتي أجهـزة المعارضــة، لتحسـين العـلاقـات مـع ذات العمـاد، عـبر عقــود دفاعيـة واقتصـادية.
وتتنـوع الوسـائل التي تنتهجهـا جمـاعات الضـغط في تحقــيق مقـاربات شـاملة، أبرزهـا ضـم مشـرعين ومســئولين كبـار الـي صـفوفها. الي جانـب التأثيـر في الـرأي العـام مـن خـلال وسـائل الاعـلام المختلفـة، وتقـديم الـدعـم المـادي لمرشـحي الانتخـابات الرئاسـية والتشـريعية، وتقـديم مسـودات المقـترحات للتشـريعات الجـديدة، وإقـامة التحالفـات المتنـوعة مـع مسـئولين حكـوميين او جمـاعات ضـغط أخـري للـدفـاع عـن القضـايا المشـتركة.
لكـي تنشــط جمـاعات الضـغط، لإبـد مـن تهيئـة البيئـة المجتمعيـة لهـا (القطيــع)، وبـدون هـذه البيئـة لـن تكـون جمـاعات الضـغط فعـاله. ولهـذا تســيطر جمـاعات الضـغط عـلي وسـائل التواصـل الاجتمـاعي، وتسـعي الي تطـويرها لاكتســاب المـزيد مـن القنـاعات الجمعيـة والفـردية “دراسـات العبـودية الرقميـة”. كمـا أسســت للعـديد مـن نـا يسـمي مـراكـز الفكــر، وتمـويل الأبحـاث والدراسـات عـبر إقـامة مـراكـز أبحـاث لنشــر العـلوم الموجهـة، هـذا بخـلاف الانتشـار بيـن اعضـاء النقـابات والاتحـادات، وهكـذا يحظـي جمـاعات الضـغط بقـاعـدة جمـاهيرية كـبيرة، وتحــت وطـأة الشـعارات والافكـار البـراقة يتـم الاسـتحواذ عـلي وعـي القطيــع.
الـدول العربيـة والإسـلامية لـم تسـتخدم لوبيـاتها لتحقيـق مصـالح مشـتركة، بـل عملــت بشـكل منفـرد وقطـري، فتعارضـت المصـالح والمنـافع وتصـادمت مـع بعضـها البعـض، فاســتفادت لوبيـات أخـري مـن هـذا التصـادم لصـالحها دون المصـالح العربيـة والإسـلامية.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمــل فـي الجـزء القـادم ان شـاء الله تبـارك وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ