

مـا بيـن اليقيــن والضـلال (2).
فـي ظـل فوضـي المصـالح والأهـواء المنتشـرة عالميـا، والتي لا يصـلح معهـا إلا القوانيـن الوضـعية المتفقـة مـع المصـالح. لـذا كـان لابـد مـن تشـويه الكتـب السـماوية والتـي هـي أصــل اصـلاح المجتمعــات، دون اقصـاء لاحـد حـتي لـو كـان منكــر او كـافـر. عـدد مـن يؤمنــون بالكتـب السـماوية عالميـا حـوالي 4.5 مليـار نسـمة، ومـن المفتـرض ان الجميـع يـؤمن بالله رب العالميـن، ومـع الوقـت تـم زرع الشـقاق جميعـا حـتي فـي المـلة الـواحـدة. بـل ويتـم اسـتغلال ان المسـيحية تؤمـن بالتـوارة ونبـي الله موسـي عليـه السـلام، وتـم اسـتغلال ان المسـلمين يؤمنـون بالتـوارة والانجيـل، وهـذا الاسـتغلال تـم توظيفـة سـياسـيا ووفـق المصـالح، وبغـض النظـر عـن تعــدد الطوائـف فـي كـل مـلة، والآن يـتم التخطيـط لاحيـاء ديـن جـديد، جـامـع لهـذه الرسـالات باسـتغلال ايمـان الجميـع بنـبي الله إبراهـيم عليـه السـلام، وهـو بـذرة الأمـة والإمـام لهـا.
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (121)
وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ســورة النحـل.
وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. سـورة البقـرة 124.
مـراكـز الأبحـاث والدراسـات سـتقوم بصـياغة هـذا الـديـن الجـديـد، بمـا يتـوافق مـع الأهـواء والمصـالح. هـذا تحريـف فعـلي للنصـوص (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. ســورة البقـرة). ولهـذا تيــار القرآنيـن عـاد الـي السـاحة بقـوة مـن جـديد، متخـذ ان هنـاك بعـض الأحاديـث النبـوية فيهـا اختــلاف، والبعـض يـري الرغبـة فـي تبسـيط المفهـوم الديـني، والبعـض ادعـي ان الأحاديـث بـدعـة كانـت فـي ظـل الخـلافة العباسـية، وكـان محـاولة لاثبـات اقـوال الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم، كمـا قـال نبـي الله عيسـي عليـه السـلام فـي التـوراة، عـلي اعتبـار ان الانجيـل كـان سـيرة ذاتيـة لنبـي الله عيسـي عليـه السـلام، مما يسـتلزم وجـود ســيرة ذاتيـة للرسـول صـلي الله عليـه وسـلم.
مـع كـل ما سـبق ذكـره مـن اسـباب أخـري لا حصـر لهـا، كانـت المحـاولة للقضـاء عـلي المنظـومة الإسـلامية (سـنة – شـيعة)، وكـان ذلـك ســببا فـي تصـفية رمـوز المقـاومة الإسـلامية بحجـة وذريعـة الارهـاب، وســينال كـل مـن يـواجـه مشـروع التطبيـع (صــفقة القـرن – الديـانة الإبراهيميـة) نفـس المصــير.
فـي تقـديري ان هنـاك مفـردات ومصـطلحات وتصـريحات كـثيرة فـي مجـري الاتفاقيـة الإبراهيميـة، تـم تمـريرها دون وقـوف الخـبراء والنخبـة لفحـص مضـمونها ومفاهيمهـا ومـا تخفيـه مـن اسـرار ونيــات. الباحـث او المحـلل ليسـت لديـة الخـبرة والامكانيـات للوصـول الـي معـاني المفـردات والمصـطلحات دون يقيـن بنصـوص الرسـائل السـماوية، فالمقـارنات العلميـة والفلسـفية والأدبيـة بيـن الرســالات، مـا هـي إلا أســتقراء للقشــور دون الغـوص فـي لـب اليقيــن، والمعـاني المـرادة إلهيـا مـن النصـوص (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. سـورة آل عمـران 7).
مـع تنـاول العقـيدة سـياسـيا يصــعب قـراءة مـا بيـن الســطور، بخـلاف أهـدار الجهـد المضـاعف لمحـاولة فهـم ما تخفيـه التصـريحات والمفـردات المسـتخدمة للدلالـة عـلي ماهيـة الاتفاقيـة الإبراهيميـة.
وهنــا تطـرأ اسـئلة تبحـث عـن اجـابات قاطعــة، مـاذا يعـني اقـامـة معـبد مشـترك للمـلل الثـلاثـة (بيــت عـائـلة إبراهـيم)، فـي جـزيـرة الســعديات بابوظـبي فـي فبـراير 2023م، ويقـال ان الاسـم أسـتلهم من وثيقــة الأخـوة الإنسـانية، التـي وقعهـا البابـا فرنسـيس والإمـام أحمـد الطـيب فـي 2019م؟.
وهـل هـذا يعـني تطـبيق ما يسـمي بالدبلوماسـية الروحيـة، وهـي دراسـة لـم يعـلن عنهـا بهـذا الاسـم فـي مكاتـب وزرارة الخارجيـة بـذات العمـاد، والمعـلن انهـا وفـق مفاهيـم للتواصــل الثقـافي والديـني بيـن الـدول لتعـزيز التفـاهـم والسـلام؟
والحـوار يشـمل مفاهـيم المـلل للتسـامح الديـني كأسـلوب لتقليـل التـوترات بيـن الثقـافات المختلفـة، والتعـاون عـبر الشـبكات الدينيـة والمجتمعـات الإنسـانية لبنـاء ثقـافة وتفـاهم بيـن شـعوب الدول المختلفــة، دون التركـيز عـلي العـلاقـات الحكوميـة الرسـمية، والتعـامل مـع الـديـن والعقـائد كمكـون فـي العلاقـات الدوليـة، ليـس فقـط كقضـية محليـة بـل كـأداة للوصـول الـي أهـداف التسـامح والسـلام العالمـي.
هنـا يتضـح ازدواجيـة المعـايير، هـذا الحـوار يتنـافي مـع الليبـرالية شـكلا وموضـوعا.
أكتفـي بهـذا القـدر ونكمــل فـي الجـزء القـادم ان شـاء الله تبـارك وتعـالي.
خـالـد عـبد الصـمد.
أضف تعليق