غربال الأيام:
حين يكفي القليل الصادق.

في خضمّ تسارع الخطى وازدحام الوجوه، يأتي يومٌ تُطرح فيه الأشياء على غربال الزمن، فلا يبقى إلا ما له وزن.
في البدء، يخدعنا اتساع الأفق، ونظن أن جودة الحياة تُقاس بكثرة العابرين فيها.
كنت أظنّ في مطلع الرحلة أن الامتلاء بالناس ذروة الغنى، وأن اتساع دائرة المعارف هو المدى الحقيقي الذي تتنفس فيه الروح.
رحت أركض خلف الأسماء، وأحصي الوجوه، متوهّماً أن الحشود درعٌ يحميني من غوائل الوحدة، وأن كثرة المصفّقين تعني بالضرورة أنني محاط بالحب.
لكنني لم أكن أعلم حينها أن الزحام قد يكون أشد أنواع العزلة وحشة، وأن الضجيج لا يصنع دفئاً، وأن القرب الجسدي لا يعني اتصال الأرواح.
ومع تعاقب الفصول وتراكم الخيبات، بدأت الحقيقة تتكشف لي بصمتٍ جليّ وقاسٍ؛ إن الكثرة في الغالب ليست إلا وهماً، وأن قيمة العلاقات لا تُقاس بالأرقام، بل بالمواقف.
رأيتُ وجوهاً ترتدي أقنعة الودّ بعناية فائقة، وابتساماتٍ لا تتجاوز ثنايا الثغور، تخفي خلفها عوالم من الزيف.
شهدتُ بأمّ عيني كيف يتبخّر الجمع عند أول منعطفٍ وعر، وكيف يغيب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً حين يصبح الحضور “موقفاً” لا “منفعة”.
أدركتُ بمرارة أن كثيراً من الروابط لم تُغرس في تربة المحبّة، بل في سبخ المصلحة، حيث لا يُرى فيك إلا ما يمكن انتزاعه منك.
حينها، استيقظ في داخلي صوتٌ كان نائماً، يهمس لي بيقين:
“لا تكن سلةً تجمع كل حجر، بل كن حديقةً لا يدخلها إلا من يزهر ويُثمر”.
ومنذ تلك اللحظة، انكسر ميزاني القديم.
لم أعد أهتمّ بالكمّ، بل غدوتُ أنقب عن المعنى.
كففتُ عن توسيع الدائرة، وبدأتُ في تنقيتها بحزمِ المحبّ لذاته، باحثاً عمّن يثبت في غيابي قبل حضوري، وعمّن يصدقني القول والوجدان حين لا تُرجى مني منفعة.
تعلّمتُ أن الصديق الحقّ هو من لا يضع شروطاً لقبولك، يحبك في انكسارك قبل استقامتك، ويكون عكازك حين تخذلك ساقاك.
وأما هذا الفضاء الافتراضي الذي يطوقنا، فرغم ما يفتحه من نوافذ للمعرفة، يظلّ في غالبه وطناً للعقول لا مسكناً للقلوب.
إن الصداقات التي تولد خلف الشاشات، برغم جمالها، تظلّ هشة ما لم تُعمّدها المواقف وتصقلها تجارب الحياة الواقعية.
فالحبّ الحقيقي يحتاج إلى رائحة الأرض، وصدق النظرة، وثبات الخطوة في لحظات الانكسار الصامت.
وفي لحظة تجلٍّ مع الذات، سألتُ نفسي:
كم من علاقة أحملها على كتفي وهي لا تستحق عناء السير بها؟
وكم من اسم يحجز مساحة في ذاكرتي وهو لا يملك أثراً في وجداني؟
لقد أدركتُ أن رحلة الحياة أثقل من أن نهدرها في حمل “الزوائد” التي لا تنفع.
اليوم، أقف على أرض صلبة من اليقين الهادئ:
يدٌ واحدة صادقة تمتدّ إليك في عتمة الحاجة، أثمن من جيشٍ يلوح لك من بعيد في ضوء الرخاء.
وصديقٌ واحد يرمّم شروخ روحك حين تميل بك الأيام، أغنى من مئات المعارف الذين لا يحركون ساكناً عند سقوطك.
إن هذا القليل الصادق ليس فقراً، بل هو الصفوة والخلاص.
إنه الاكتفاء الذي يغنيك عن العالمين.
اجعل الوفاء ميزانك الوحيد، ولا تغرك الأعداد التي تتساقط كأوراق الخريف عند أول ريح.
فاختر لحياتك من يضيف إلى نورك، لا من يقتات على ضيائك.
فمن رُزق قلباً وفياً واحداً، فقد حُيزت له كنوز الأرض، وملَكَ ما يكفيه ليواجه العالم بقلبٍ مطمئن.
بقلم:
د. محمد شعوفي
26 أفريل 2026م

أضف تعليق

Quote of the week

"People ask me what I do in the winter when there's no baseball. I'll tell you what I do. I stare out the window and wait for spring."

~ Rogers Hornsby
تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ