

لمـاذا غـاب فهـم القـرآن الكـريـم (14).
كـان فـي نهــاية الجـزء الســابق، لكـي يتـم صــناعة الـوعـي الزائــف، لابــد مـن التخويــف وتشــوية الحقــائق.
وعـلي ســبيل المثــال فـي عهــد الرســول صـلي الله عليـه وســلم، الكفــار والمشــركين وغـيرهم اتهمــوا الرســول صـلي الله عليـه وسـلم بالســحر والجنـون والكهــانة وقـول الشــعر والافتــراء. وهـذه الاتهـامـات لـم تــأتـي بعبثيـــة، بـل فيهــا مخاطبــة لكــافة الطبقــات المجتمعيــة مـن النـاس، مـن الجـاهـل إلـي صــاحب العـلم، وهكـذا تـم بنــاء جـدار أو حـاجـز نفســي بيـن الرســول صـلي الله عليـه وسـلم وكـل متلــقي مـن النـاس. قريـش لـم يناقشــوا الرســالة، بـل كـانـوا يشــوهون صــاحبها (الرســول صـلي الله عليـه وسـلم)، حـتي ينفــر منـه الجمــيع، دون محـاولة لهــدم الجــدار أو الحـاجـز النفسـي الـذي تـم صــناعته.
وقـد نفــي القــرآن الكــريم هـذه الاتهــامات شــكلا وموضــوعا نفيـــا صــريحا.
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. ســورة الحـاقة.
وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ. سـورة يـس 69.
ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ. سـورة القـلم.
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. ســورو سـبأ 46.
وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. سـورة ص.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. ســورة الفـرقـان.
وهـذا ما يحـدث اليــوم، يتـم صــناعة جـدر أو حـواجـز نفســية، بيـن صــاحب الفكـــر وبيــن المتلــقي لهـذا الفكــر، وذلـك بتشــوية صــاحب الفكـــر، دون مناقشـــة محتــوي فكــره، ومـن الأقــوال الـدارجـة فـي ذلــك، عـندما تعجــز عـن هزيمــة الفكــرة شــوه صــاحبها.
وقـال الرســول صــلي عليـه وســلم فـي هـذه الفئـــة أو الشــرذمة.
كان النَّاسُ يَسألونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الخَيرِ، وكُنتُ أسألُه عَنِ الشَّرِّ مَخافةَ أن يُدرِكَني، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا في جاهِليَّةٍ وشَرٍّ، فجاءَنا اللهُ بهذا الخَيرِ، فهل بَعدَ هذا الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قال: نَعَم، قُلتُ: وهل بَعدَ ذلك الشَّرِّ مِن خَيرٍ؟ قال: نَعَم، وفيه دَخَنٌ، قُلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: قَومٌ يَهدونَ بغيرِ هَديي، تَعرِفُ منهم وتُنكِرُ، قُلتُ: فهل بَعدَ ذلك الخَيرِ مِن شَرٍّ؟ قال: نَعَم، دُعاةٌ إلى أبوابِ جَهَنَّمَ، مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهُم لَنا؟ فقال: هُم مِن جِلدَتِنا، ويَتَكَلَّمونَ بألسِنَتِنا، قُلتُ: فما تَأمُرُني إن أدرَكَني ذلك؟ قال: تَلزَمُ جَماعةَ المُسلِمينَ وإمامَهم، قُلتُ: فإن لَم يَكُنْ لهم جَماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كُلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصلِ شَجَرةٍ، حتَّى يُدرِكَكَ المَوتُ وأنتَ على ذلك.
الــراوي: حذيفـة بـن اليـمان والمحـدث: البخــاري والمصـدر: صـحيح البخــاري وخلاصـة حكـم المحــدث: صـحيح.
فـي عهـد الرســول صـلي الله عليـه وسـلم، ومـع تمـام الهجــرة إلـي المدينــة المنــورة (يثــرب)، كـان لابـد مـن إرسـاء قـواعـد العـدالـة والسـلام المجتمعـي بيـن كـافـة الأطـراف والفصـائل والعرقيـات المجتمعــية. وكـان لابـد مـن التفـاهم مـع أهـل الكتــاب وخاصــة الي //هــود، وكـان لابـد مـن الأخـذ فـي قـول الله سـبحانه وتعـالي (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. سـورة المـائـدة). هـم يســكنون داخـل المدينـة المنـورة وخارجهـا وفـي محيطهـــا، وكـانـوا ممسـكين بزمـام التجـارة والاقتصــاد. والرسـول صـلي اللع عليـه وسـلم كـان يـدرك ضــرورة كيفيــة اسـتتباب الأمـن والاســتقرار فـي مقــر القيــادة لكـي يتمكــن مـن وضـع خـطط الـدفـاع ضــد العــدو الخـارجي، لكــي تتهيــأ البيئــة المتاسـبة لنمــو وازدهـار شــجرة الإســلام. وكـرس الرسـول صـلي الله عليـه وسـلم الجهــود لاحــلال الســلام والتفـاهـم وفقــا لقـول الله سـبحانه وتعـالي (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. سـورة آل عمـران 64 – وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. سـورة العنكـبوت 46).
وكانــت المعـاهـدة عـلي النحـو التـالي وفـق مـا جـاء فـي كتــب التـراث والمؤرخــين
بسـم الله الرحمـن الرحيــم
هـذا كتـاب مـن محمـد النبـي صـلى الله عليـه وسـلم.
١ ـ إنهـم أمـة واحـدة مـن دون النـاس، المهـاجرون مـن قريـش عـلى ربعتــهم (أي عـلى الحـال الـتي جـاء الإســلام وهـم عليهـا) يتعــاقلون بينــهم (أي يدفعـون ديـة الـدم) وهـم يفـدون عانيــهم (أســيرهم) بالمعـروف والقسـط بيـن المؤمنيــن.
٢ ـ وبنـو عــوف عـلى ربعتـهم يتعــاقلون معاقلـهم الأولـى، كـل طائفــة تفـدي عانيهـا بالمعـروف والقسـط بيـن المؤمنيـن، وهكـذا بنـو ســاعدة وبنـو الحــارث، وبنـو جشــم ، وبنــو النجـــار، وبنــو عمـرو بـن عـوف وبنــو النبيــت، وبنـو الأوس كـل عـلى ربعتـهم (والحــال الـتي جـاء الإســلام وهـم عليـها مـن حـيث التعــاون عـلى الـديـات إلـى أوليــاء المقتــول، ودفـع الفــدية معــا لفـك الأســير).
٣ ـ وإن المؤمنيـن لا يتركــون مفــرحا (أي مثقــلا بالديـن وكثيــر العيــال) بينــهم أن يعطـوه بالمعــروف فـي فــداء أو عقــل (أي دفــع ديــة أو فــداء أســير).
٤ ـ وإن المؤمنيــن المتقيــن (يـد واحــدة) عـلى مـن بغــى منهــم، أو ابتــغى دســيعة (عظيــمة) ظلـم أو إثـم أو عــدوان أو فســاد بيـن المؤمنيــن، وأن أيديهـم عليــه جميــعا ولـو كـان ولـد أحــدهم.
٥ ـ وأن لا يحالــف مؤمـن مــولى (أي عــبد) مؤمــن دونـه (أي دون إذنــه).
٦ ـ وأن لا يقتــل مؤمــن مؤمنــا فـي كافــر (أي قصـاصـا لمقتـل كــافر عـلى يـدي ذلـك المؤمــن) ولا ينصـر كــافرا عــلى مـؤمـن.
٧ ـ وإن ذمـة الله واحــدة (تشـمل جميـع المسـلمين بلا اســتثناء) يجيــر عليهـم أدنــاهم (فـاذا أجــار عبـد مسـلم كافــرا قبلـت إجــارته واحتــرم أمانــه).
٨ ـ وإن المؤمنيــن بعضـهم موالـي بعـض دون النــاس.
٩ ـ وإنـه مـن تبعنــا مـن يه //ــود فــإن لـه النصــر والأســوة غـير مظــلومين، ولا متنــاصرين عليــهم.
١٠ ـ وإن سـلم المؤمنيــن واحـدة لا يسـالم مؤمـن دون مؤمـن فـي قتــال فـي سـبيل الله إلا عـلى سـواء وعـدل بينـهم (فــلا يجـوز لأحـد أن ينفــرد بعقــد معاهـدة صــلح مـع أحـد مـن غـير المســلمين إلا بموافقــة المســلمين).
١١ ـ وإن كــل غــازية غــزت معنــا يعقــب بعضـها بعضــا (أي يتنـاوب المسـلمون فـي المشـاركة فـي الجهــاد)، وإن المؤمنيـن يبـيء بعضـهم عـلى بعـض بمـا نـال دمــاءهم فـي سـبيل الله (أي يـراق منـهم الـدم عـلى الســواء لا أن يتعــرض للقتــل بعـض دون بعــض).
١٢ ـ وإن المؤمنيــن المتقــين عـلى أحسـن هــدى وأقــومه.
١٣ ـ وأن لا يجيــر مشــرك (مـن مشــركي المدينــة) مــالا لقريــش، ولا نفســا، ولا يحــول دونـه عـلى مؤمــن (أي لا يمنعــه مـن مؤمــن).
١٤ ـ وإنـه مـن اعتبــط مؤمنــا (أي قتــل مـن المؤمنيــن مؤمنــا بـلا جنــاية منـه توجــب قتــله) قتــلا عـن بينــة فإنــه قــود بـه (أي يقتـل بقتــله قصـاصــا) إلا أن يرضـى ولـي المقتــول. وإن المؤمنيــن عليــه كــافة، ولا يحــل لهـم إلا قيــام عليــه.
١٥ ـ وإنـه لا يحــل لمؤمــن أقــر بمـا فـي هــذه الصــحيفة، وآمـن بالله واليــوم الآخــر، أن ينصــر محــدثا (صـاحب بدعــة) ولا يؤويــه وأنـه مـن نصــره، وآواه فعليــه لعنـة الله وغضبــه يـوم القيــامة، ولا يؤخــذ منـه صــرف ولا عــدل.
١٦ ـ وإنكــم مهمــا اختــلفتم فيـه مـن شـيء فـإن مـرده إلـى الله سـبحانه وتعـالي وإلى محمــد صـلى الله عليـه وسـلم .
وبنـود المعــاهدة جـاءت متوافقـــة تمــاما مـع مـا جــاء فـي كتــاب الله ســبحانه وتعــالي.
وقـد وقـعت القبــائل المـذكـورة فـي نـص الوثيقــــة وغــيرهم (يه//ود بني عــوف – يه//ود بنـي النجــار – يه//ود بـني الحــارث – يه//ود بنـي ســاعدة – يه//ود بـني جُشــم – يه//ود بنـي الأوس – يه//ود بنـي ثعلبــة)، هـذا بخــلاف القبـائل الكــبري مثـل بـني قريظـــة وبنـي النضــير وبنـي قينقــاع، وهـذه القبــائل عقــدت مـع بعضــها معـاهدات خاصــة لضــمان التعايـش السـلمي والـدفــاع المشــترك عـن المدينـــة.
لكـن الخيـــانات مـن عبــاد العجـــل تســبب فـي غــزوة الأحــزاب، وكانــت الهزيمــة لمـن أراد أهــلاك المســلمين.
ولصــناعة الجهــل والتضــليل، لابــد مـن صــناعة التشـويـش، وعـلي ســبيل المثــال، أن هنــاك خــبر عـن مصــدر رفـض ذكـر اســمه، أو منســوب إلـي شــخصية رفيعــة المســتوي، وهـذا الخــبر مـا هـو إلا أداة للتخـويف، والأكاذيــب المتكــررة، والتـي تصــير حقيقــة لفــرط التكــرار.
ومـع حجـــب التعـليـم (المعــرفة)، يصــير المـرء عبــد للفكــرة والحـوار المكــرر، مبتعــدا عـن النقـاس والحـوار والـرأي والـرأي الآخـر. مـع الحـوار والمناقشــة يتـم تجــديد وتنشــيط وبنــاء العقـــل، فغــذاء العقـــل الفكــر والتفكــير، وهكــذا ينضــج الفــرد وهـو اللبنــة الأسـاسـية لبنــاء المجتمـع المعــرفي.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
أضف تعليق