

ثــالـوث الــوعـي وميكـانيكـا الكـم (الجــزء 1):-
قـال الله تبـارك وتعـالي (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة ص 29)، القـرآن الكـريـم يحتـوي عـلي التوســع فـي المعنـي، وعـلي ســبيل المثـال يـؤتـي بتعــبير يحتمـل أكـثر مـن معــني، وهـذه المعـاني كلهـا مـراده فـي كتـاب الله. مفهـوم التوســع لـه أســباب ودواعـي لكـي يتـدبر الجميـع، وفـق علـومه المتـاحة بمـا لا يتعـارض مـع المنهـج والتكلــيف (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ. سـورة القمـر 22).
وعـلي ســبيل المثــال البحـث اللغــوي والـدلالـي فـي كلمــة الفَلَـك والفُـلْك كلاهمــا مـن الجــذر نفســه ( ف ل ك)، لكنهمـا فـي الظـاهـر ليســا لهمـا نفـس المعـني.
فـي النـص القــرآني (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. سـورة البقـرة 164 – وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ. سـورة هـود 37)، المعـني الظـاهـر للْفُلـْكِ كـل مـا يجـري فـي البحــر (الســفن والبـواخـر والناقـلات العمـلاقة وحـامـلات الطـائرات والغواصــات وغــيرها)، وقـال الله ســبحانه وتعـالي فيهــا (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ. سـورة الرحمـن 24).
وفـي النـص القـرآني (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. سـورة الأنبيـاء 30 – لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. سـورة يـس 40)، المعــني الظــاهـر للفَلــَكٍ هـو مـدار الأجـرام الســماوية.
الجـذر اللغــوي يحمـل معـني الاســتدارة والـدوران (مســار قـد يكـون مــتردد أو متكــرر وفـق قـانون محــدد ســـلفا أو مســـبقا)، فالســفن لهـا مســارات محــددة ووجهــات بعينهـــا، فـي البحـار والمحيطــات عـلي الأرض الكــروية “مســارات دورانيــة”، والأجــرام الســماوية لهـا مســارات محــددة وفـق قــانون ســابق لهــا، والله ســبحانه وتعــالي هـو مـن وضــع القوانيــن والســنن لكـل شــئ. ومـن الملفــت فـي النـص القــرآني اســتعمال (يَسْبَحُونَ – تَجْرِي – مَوَاخِر – تُحْمَلُونَ).
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. سـورة الأنبيـاء 30.
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. سـورة البقـرة 164.
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. سـورة النحـل 14.
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ. سـورة المؤمنـون 22.
المعـني فـي الجـذر اللغــوي (الاسـتدارة والـدوران)، ومـن العـلم المـوثق والثابـــت، يتضــح أن (فَلَكٍ – الْفُلْكَ) ترتبــط ارتبــاط وثيــق بنســيج الزمكــان الـذي اكتشــفه ألـبرت أينشــتاين مـؤخـرا.
المعـاني فـي كلمـات الله ســبحانه وتعـالي مطلقـــة، وتتجــد معانيهـــا عـلي مـدار الزمـان والمكــان، وقـد يتضـح ذلـك في قـول الله ســبحانه وتعـالي (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا. سـورة الكهـف 109 – وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. سـورة لقمـان 27).
الله ســبحانه وتعـالي عالـم الغـيب والشــهادة (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. سـورة التغـابن 18 – هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ. سـورة الحشـر 22 – عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ. سـورة المؤمنـون 92 – عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سـورة الـرعـد 9)، عـالـم الشــهادة هـو العـالـم المنظــور، وعـالـم الغــيب هـو للعـالـم المســتور. العـالـم المنظـــور تـم اكتشــاف البعـض مـن علـومه، أمـا العـالـم المســتور عجــز العـلم عـن أدراكـه. قـال الله سـبحانه وتعـالي فـي ســورة الذاريــات (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ. 21)، الغيــب فـي المـرء غـير مـدرك، ويتمثـــل فـي ثـالـوث الـوعـي، النفـس والقلــب والعقـــل، جميعهــم مـن الغـــيب مـع أنهـم المحــرك الفعــلي للمــادة التـي يتكــون منهــا المــرء. ومـن هنــا يجــب البحــث عـن المكــونات الأسـاســية للمــادة، وهـذا ما يســمي غيــب المــادة “الغــير منظــور منهـــا”، وهـذا ما تســعي إليـه نظــريات وعـلوم الكـم.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
اترك تعليقًا