
يقظــــــة الـــوعــي (الجـــزء التاســــع والثـــلاثـين):-
الــوعـي ونبـــي الله عيســـي عليــه الســـلام – الجــزء الأول.
أختــص الله تبــارك وتعــالي أولـي العـلم درجــة فهـم دائمــا وأبــدا يخضـــعون ويطــوعون العــلوم لمـا جــاء فـي آيـــات الله تبــارك وتعــالي. والله ســبحانه وتعــالي صـــاحـب العـلم المطـــلق فيؤتيـــه ســبحانه وتعــالي لمـن يشــاء مـن عبـــاده. وأصــحاب العــلوم يخضـــعون كـل شــئ للمنطـــق الســـليم بمنتهــي الحيـــادية دون تشــــكيك فـي هــذا أو تلـك فالتحليـــل النقـــدي هـو أســاس الدراســـة وبالتــالي هـو أســاس التـدبـر والتــأمـل للوصــول الـي الصـــفائية والتجـــلي دون أجتهـــاد بعـــيد عـن المنهــج والتكليـــف ومـا جـاء فـي الكتــاب والســـنة المطهـــرة دون محــاولـة للـي النصــوص أو تطوعيهــــا وفـق الأهــواء (المنهــج العلمــي فـي الأســـلام يعتمــد علـى فحــص الأدلــة والبراهــين والنظــر فـي النصــوص الشـــرعية مــن الكتــاب والســـنة. بعيـــدًا عـن الهــوى والميــل الشـــخصي). وقــال الله تبــارك وتعــالي فـي فضـــل العــلماء.
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. ســورة آل عمــران. والأســـلام هنـــا بالمعــني المطــلق وهـو لا إلـة الا الله آي الأســـلام لله وحـدة لا شـــريك لـه. لـه المـلـك ولـه الحمــد يحـــيي ويمـيت وهـو عـلي كـل شـــئ قـــديــر.
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ. ســورة فـاطـر 28.
لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا. ســورة النســاء 162.
هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. ســورة آل عمــران 7.
وقـال الرســول الكـريـم صــلي الله عليـه وســلم فـي فضــل العلمــاء.
من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا ، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ ، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العِلمِ ، وإنَّ العالِمَ ليستغفرُ له من في السماواتِ ومن في الأرضِ ، والحيتانُ في جوفِ الماءِ ، وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا ، ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ.
الــراوي: أبـو الـــدرداء والمحــدث: الألبــاني والمصــدر: صــحيح أبي داود وخلاصـة حكـم المحــدث: صــحيح.
نبــي الله عيســي عليــه ليــس بـدايــة للأنجيــــل فقــط بــل النهـــاية ســـيكون هـو جــزء أصـــيل منهــــا كمـا جــاء فـي كتــاب الله ســبحانه وتعــالي وســــنة النـبي محمــد عليــه الصــلاة والســلام. وهــو قــادم عـند المنــارة البيضـــاء ليقــود المؤمنيـــن وليقتـــل الـدجـال الـذي تســـلط عـلي الخـــلق مـع ســـيده الملعــون أبليـــس.
ولأدراك البـدايـة والنهـــاية لأبـــد مـن تـدبــر كلمــات الله تبــارك وتعــالي وأحاديـــث الرســـول الكـريـم وكـلاهمــا يجمـــع قصــــة ونبـــأ نـبي الله عيســي عليــه الســـلام مـن البـداية الـي النهــاية دون الحـاجـة للتـأويــل أو الأســــتدلال بمـا جـاء فـي كتـب التـاريخ المطـــولة والتـي تحتــوي العــديد مـن المتناقضــــات التـي تذهـــب بالـــوعـي بعـــيدا عـن الحقيقــــة المطلقــــة.
لقــد آتـي الله تبــارك وتعــالي نبيـــه عيســي عليــه الســلام العـديد والعــديد مـن الآيـــات والمعجـــزات خـارج حــدود الـوعـي البشـــري. هــو كلمــة الله تبــارك وتعــالي التـي ألقـــاهـا الـي أمـه الســـيدة الطـاهـرة البتــول مـريـم أبنـة عمــران.
والبـدايـة هـي أصـــطفاء الله تبـــارك وتعــالي آل عمــران كمـا أصـــطفي الأنبيـــاء والمرســـلين مـن قبـــل والله يصــطفي مـن يشــاء مـن عبـــادة.
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. ســورة الحــج.
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ســورة آل عمـــران.
فمـن أحســـن لـه الحســني وزيــادة ومـن أســاء فعليـــه مـا أســـاء. والله تبــارك وتعــالي هـو الحكـيم الخــبير وكـل شـئ لـديـة بمقـــدار. ولقـد أختـص الله آل عمـران مـع الأنبيــاء والمرســلين. فكــان آل عمــران مـن خيـــار أهـل هـذا الزمــان.
نــذرت زوجــة عمــران مـا فـي بطنهــــا لله تبــارك وتعــالي “إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ســورة آل عمـران 35”.
وعـندمـا وضـــعت أمــرأة عمــران جنينهــــا كانـــت أنثــي عـلي عكـس مـا توقعــــت أن يكــون ذكــرا ليخــدم بيـت الله عـز وجــل تبــارك وتعــالي ” فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ســـورة آل عمــران 36″. فكــان النــداء لله أنهـا وضــعت أنثــي “الله تبــارك وتعــالي أعـلـم بمـا وضـــعت” وكأنهــا شـــكوي تلتمـس فيهــا عـدم الـوفـاء بالنــذر الـذي نـذرتـه. لكنهـــا مـع ذلــك لـم تتخــلف عـن النــذر وألتمســـت مـن الله تبــارك وتعــالي أن يحفظهــــا هـي وذريتهــــا مـن الشــيطان الرجـيم. وقـد أســـميتها مـريـم آي العبــادة الخالصـــة لله ســبحانه وتعــالي. وقـد تقبلهـــا الله الســميع البصــير العليـــم مـريـم قبــول حســـن. فالشــيطان تعهــد بالعـــداء الـدائـم والمســتمر لبـني آدم بشــتي الطـرق والوســائل فهــو ألـد الأعــداء. فالشــيطان لا يــألـو جهــدا فـي تنفـــيذ مشــروعه والـذي تعهــد بـه فـي الغـوايـة والضـــلال. فيغــوي الأنســان ويضــله حـتي يــوردة النــار “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ســورة أبراهـيم 22”.
وفـي مـريـم البتــول ونبـي الله عيســي عليــه الســـلام قــال رســول الله محمــد عليــه الصــلاة والســلام.
سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ما مِن بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطَانِ، غيرَ مَرْيَمَ وابْنِهَا. ثُمَّ يقولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36].
الــراوي: أبـو هــريــرة والمحــدث: البخـــاري والمصــدر: صــحيح البخـــاري وخلاصــة حكــم المحــدث: صـــحيح.
وفـي هـذا قــال الله تبــارك وتعــالي “فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ســورة آل عمــران 37”.
أمـا عـن كفالتهــــا بنبـي الله زكــريـا عليــه الســـلام (العــديد أراد أن يتكفـــل مـريـم برعايتهـــا والأشــراف عليهـــا. آل عمــران جميعـــا مشـــهود لهـم بالتقـــوي والــورع والعبـــادة والصــلاح. وهـي أول فتـــاة تنـــذر لخــدمـة بيــت الله ســبحانه وتعــالي. لـذا أراد الكهــان والعبــاد والصــالحين كفـالتهـا فأبـوهـا كـان معلمهـــم وشـــيخهم وســـيدهم). وأختصمـــوا فـي أمــر كفــالة مـريـم وكـان معهــم نـبي الله زكــريـا عليــه الســلام وهــو أولـي بكفــالتهـا لكــونه مـن ذوي القــربي . والأختصـــام كــان لنيـــل شـــرف كفــالة مـريـم عليهــا الســـلام. فأقتـــرعـوا مـع أن نبـي الله زكـريـا عليــه الســلام ولـه فيهــا نســـب لـذا هـو الأحـــق. وكـان نـبي الله زكــريـا عليــه الســلام هـو المختـــار مـن قبـــل الله ســبحانه وتعــالي فـي كفــالة مـريـم عليهــا الســلام “ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ. ســورة آل عمــران 44”. وهكــذا كفلهــــا الله تبــارك وتعــالي نبيــه زكـريـا عليــه الســلام “فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ســورة آل عمـران 37”. وخـصص لهـا مكــانا خاصـــا بهـــا “المحــراب” لتتعبـــد فيـه وتقــوم بواجــب الخــدمـة فـي الوقــت المخــصص للخـدمـة. وكـان زكــريـا يتــولي شـــأنهـا ويرعــاهـا ويؤتيهــــا بالطعــام والشــــراب ويعلمهـــــا الكتــاب والحكمــــة. فكــان لهــا عـلـم واســـع مـن التـدبر والتـامـل فـي كلمــات الله وآيــاته. ومـن الكـــرامـات أنـه كلمــا دخــل نـبي الله زكـريـا عليـه الســلام يجــد عــندهـا مـن الــرزق الكــثير والكـــثير وعـند ســـؤالها كانـــت تجـيب هــو مـن عــند الله. فتبــارك الله الــرزاق الـوهـاب.
بينمــــا مـريـم عليهـــا الســلام فـي محـــرابهـا تتعبـــد وتصـــلي لله وتتــدبر وتتــأمـل خــلقة وآيــاته. ونـادتهــا الملائكـــة لتعلمهـــا أن الله تبــارك وتعــالي أصـــطفاها وزكــاهـا وفضـــلها عـلي نســـاء العالمـــين فـي زمـانهــا “وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ. ســـورة آل عمــران”.
وأعتقـــد هنــا أن مـريـم عليهــا الســلام أيقــنت أنهــا مقبـــلة عـلي أختبـــار وأبتـــلاء عظــيم. فأوليـــاء الله تبــارك وتعــالي مـا كـان لـهـم أن ينــالوا الدرجــات العــلي حـتي يمــروا بأبتــلاءات عظيمـــة وأختبـــارات قاســـية في ســـبيل الله عـز وجـل. فأبتــلاءات المصــطفين ليســـت كأبتــلاءات العـــامـة. لـذا طلبـــت مـريـم عليهـــا الســلام أن يعينهـــــا الله عـلي عبـــادته والأنقـــطاع لمنـاجـاتـه وأن يخـــفف عنهــا هـذا البــلاء وأن يعينهــــا عـلي أجتيـــارة. وألتـزمـت مـريـم عليهـــا الســلام محــرابها “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا . ســورة مـريـم 16″. وجــاءت الملائكـــة أليهـــا مـرة آخـــري وتمثـــلت لهـا فـي هيئــــة بشـــرية بهيئــــة حســـنه وكـان رد فعــل مـريـم عليهــا الســلام”فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. ســورة مـريـم”.
وكـان رد الملائكــــة عــلي مـريـم عليهـا الســلام أنهــا رســـالة الله تبــارك وتعــالي وكلمتـــه ألقـــاهـا أليـــها.
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. ســورة آل عمــران 45″.
قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. ســورة مـريـم 19.
وكـان رد مـريـم عليهـــا الســلام للملائكــــة “قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. ســـورة مـريـم 20”.
وكـان رد الملائكـــة عـلي مـريـم عليهــا الســلام “قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا. ســورة مـريـم 21”.
وقـال الله تبـارك وتعــالي فـي ذلـك بشــكل عـام “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ. ســورة آل عمــران 59”.
وقــد قــال النـبي الكـريـم محمـــد صــلي الله عليــه وســـلم فـي ذلـــك.
سَمِعْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ.
الـــراوي: عـلي بـن أبـي طالـــب والمحــدث: البخــاري والمصــدر: صــحيح البخـــاري وخلاصــة حكــم المحـــدث: صــحيح.
والخلاصـــة أن قــدرة الله تبــارك وتعــالي لا يعجــزهـا شـــيئا فـي الســماء والأرض وقــدرة الله تبــارك وتعــالي أختيـــار مـريـم عليــها الســلام لتكــون أمـا لكلمـــته مـن دون زواج تقليـــدي وفـي هــذا آيـة وأعجـــاز خــارج قـــدرات كـافـة المخــلوقـات وخــارج حــدود المنطـــق البشــري المحــدود “فقــد آتـي الله بجنـس آدم مـن تــراب”. وأخــيرا رضـــيت مـريـم عليهــا الســـلام لأمــر الله فهــو أمـرا مقضــيا. “وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ. ســورة التحــريـم 12”.
وهكــذا حملـــت مـريـم عليهــا الســلام بنـبي الله عيســي عليـه الســلام وأعتـزلـت النــاس حـتي لا تتهــم فـي عفتهــــا وحيـــائها وطهـــارتهـا فكانـــت دومـا فـي المحــراب حـتي يقضـــي الله أمـرا كـان مفعــولا “فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا. ســورة مـريـم 22”.
وعـندمـا أذن الله تبــارك وتعــالي بألـم المخــاض والـولادة أرتعــدت مـريـم عليهـــا الســلام ولـم تخــبر أحـد بأمـرهـا وســارعت فـي الأبتعـــاد عـن النـاس كــافة لتجـــد مـلاذ أمـن لتضـــع حملهــــا فـي هـــدوء. ولتنتظـــر أمـر الله تبــارك وتعــالي فيمــا وضـــعت.
فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا. ســـورة مـريـم 23.
ومـع آلآم المحــاض لجــأت الـي جــذع نخـــلة ومـع ضـــعفها ووهنهــــا كانـــت وحـــيدة ومـن المــؤكـد أنهــا لجئــت لله تطلـــب منـه أن يخــفف عنهــا آلمهـــا الجســدي والنفســـي ومـن شـــدة الحـــزن عـلي مـا ســـيلحق بهــا مـن قومهــــا بعــد الـولادة حـتي أنهــا تمنـــت المـــوت لتنســـي مـع مــرور الــزمن.
وبـــدأت الـولادة وكــان النــــداء بالا تحـــزن وأن تهـــز جــذع النخـــلة ليتســـاقط عليهــا الرطـــب الجنــي “ســـبحان الله تبــارك وتعــالي لقـــد ثبـــت طبيـــا أن الرطـــب أجــود وأطيـب غـــذاء للنفــاس”. فكلـــي وأشـــربي وأهـــدئي والرحمـــن يرعـاكي. وخــرج نــور نــبي الله عيســي عليــه الســـلام ووقـي الله تبــارك وتعــالي نبيـــه عيســـي عليـه الســلام منــا وقـي أمـه مـريـم عليهــا الســـلام مـن قبـــل. وقيـــل لهـــا حـتي تتجنـــب مواجهـــة قومهـــا لا تتكلمـــي “قومهـــا مـن قســـاة القلــوب وهـم مـن أكــثر النـاس أســاءة الظـــن ومـن أكــثر النــاس جــدلا”.
فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا. ســـورة مـريـم.
أكتفــــي بهـــذا القـــدر ونكمـــل فـي الجـــزء القـــادم أن شـــاء الله تبــارك وتعــالي.
خــالــد عـبد الصـــمد.
أضف تعليق