
يقظــــــة الـــوعــي (الجـــزء التاســــع والثـــلاثـين):-
الــوعـي ونبـــي الله عيســـي عليــه الســـلام – الجــزء الثــاني.
وأكمـــالا لمـا جــاء فـي الجــزء الســـابق وكنـــا قـد توقفنـــــا عنــد “فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا. ســـورة مـريـم 26” فلا تتحـــدث الـي أحــد مـن قـومهـــا شـــديدي الجـــدل والقســـوة وســـوء الظـــن. وهــذا هــو الصــمت عـن الحـديــث مـع المجادليــن بغــير عـلـم وغــير أيمــان وغــير يقيـــن (كـلمــاتهـــا لـن تقنــع قســـاة القــلوب ولـن يســمحوا لهـا بالـدفـاع عـن نفســـها أو ذكــر المعجــزة الربانيــــة).
ولمـا آتــت قومهــــا أســـتنكروا مـا حـدث وبــدء الهجــاء والتقـــريع “فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. ســورة مـريـم”. ومـا كـان قولهــم عـلي مـريـم عليهــا الســلام الا كـذب وزور وأفــتراء وأخــتلاق وفـق أهوائهـم الفاســـدة “وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا. ســورة النسـاء 156”.
وتنفــيذا لأمــر الله تبــارك وتعــالي أشـــارة الـي وليـــدهـا نـبي الله عيسـي عليـه الســلام بكــل ثقـــة وأطمئــنان “فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. ســورة مـريـم 29”. وأعتبـــر القــوم الفاســدين أن أشـــارتهـا لوليــدها أســتهزاء وأســتخفاف بهـم فمـاديتهـم المفـرطة أوهمتهـــم أن الطفــل الرضــيع لا يمكنـــه الحديــث.
وهنـــا كانــت معجــزة كــبري آخــري ســاطعـة تبــرئ الســيدة مـريـم عليهــا الســلام ممـا نســـب أليهــا مـن أفظــع وأشــنع التهــم وهـي البغـــاء. وهـي حديـــث نـبي الله عيسـي عليـه السـلام فـي المهــد صـــبيا ” قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. ســورة مـريـم”. وهـذا كـان تعريـــف نـبي الله عيسـي عليـه الســلام بمـن هـــو فنطـــق بأفصــح وأوضـــح الكلمــات. وكـان الأقــرار بوحدانيــــة الله تبــارك وتعــالي وألوهيتــــه وربوبيتـــه وعــبوديته. وهـذا يعــني خــلق الله تبــارك وتعــالي لنبيــه عيســـي عليـــه الســلام خــلق فــريد وممــيز (خــلق خــارق مـن أم بـلا أب). ويتضــح مـن كلمــات نبـي الله عيسـي عليــه السـلام فـي المهــد أنهـا البـدايـة الأيمانيـــة لـه والتكليـــف المبكــر بهـــداية النـاس. فعيســي عليـه الســلام بـاركـه الله تبــارك وتعــالي وأفــاض ببـركتـه عليـــه أينمـــا كـان وقــد أوصــاه الله بالصــلاة والـزكـاة طيــلة حيـــاتة ووجــودة فـي هــذه الحيــاة الدنيـــا. وقـد أوصــاه الله أن يكــون بــارا بوالــدتـه الطـاهـرة النقيـــة البتـــول. والا يتكــبر فـي الأرض فيكـــون جبــارا شـــقيا. وأن الســلام عليــه يـوم ولــد ويــوم يمــوت ويـوم يبعـــث حيــــا. “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. ســورة آل عمــران 45”. فالله تبــارك وتعــالي أضـــفي عليــه الســلام والأمـان والطمـأنينــة فـي الثــلاث مواضــع الحسـاسـة والفـارقة فـي الحيـــاة يـوم الـولادة ويــوم المــوت ويــوم البعـــث. كمـا أنـه محفـــوظ برعـايـة الله مـن الشــيطان فلا ينـــال منـه كمـا نــال مـن جنـس آدم ومـن ذريتـــه. ويتضــح ذلـك مـن قــوله أنـي عبــد الله.
أنبهــــر القــوم مـن حديــث نـبي الله عيسـي عليـه الســلام وأصــابتهـم الدهشــــة وأعتــبر البعــض مـا حــدث ســــحر “ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. ســورة مـريـم 34”. وهـذا ليـس بالجـديد عليهــم فقـد أتهــموا نبـي الله ســليمان عليـه الســلام بذلـك مـن قبـــل. “وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. ســورة البقــرة 102”.
وهنــا أذكــر حديــث الرســـول محمــد صــلي الله عليــه وســـلم.
مَن شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنَّ عِيسَى عبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ منه، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ علَى ما كانَ مِنَ العَمَلِ. [وفي رِوايةٍ زادَ]: مِن أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، أَيَّهَا شَاءَ.
الــراوي: عبــادة بـن الصـــامت والمحــدث: البخــاري والمصــدر: صـحيح البخــاري وخلاصـة حكــم المحــدث: صـــحيح.
والمؤمـن يؤمـن بجميــع الرســـل والأنبيــاء دون التفــريق بينهــم فجميعهــم مصــطفين مـن الله تبــارك وتعــالي “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. ســورة البقــرة 285”.
ســكن النـاس وأبتعـــدوا عـن مـريـم عليهـــا الســلام الا أن طائفـــة مجــرمـة وحـاقـدة منهــم ظلــوا عـلي كفـــرهـم ونكــرانهـم. وأســتمروا فـي الهــراء والهـــذيان وأتهـــام مـريـم الطـــاهرة المبــاركـة ولهـــذا أيــد الله تبــارك وتعــالي نبيـه عيسـي عليــه الســلام بـروح القـدس للرعــاية والحفـــظ مـن هــراء وهـذيــان الكفـــار والـرعـاع ” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ. ســورة البقــرة 87″.
أكتفــــي بهـــذا القـــدر ونكمـــل فـي الجـــزء القـــادم أن شـــاء الله تبــارك وتعــالي.
خــالــد عـبد الصـــمد.
أضف تعليق